إن من الإشكالات التي اثيرت حول خلافة أمير المؤمنين عليه السلام هو أنها مدعاة لاجتماع النبوّة والخلافة في بيت واحد. فلهذا لا يتسنّى- بزعمهم- لرسول الله وأمير المؤمنين عليهما الصلاة والسلام وهما من بيت واحد أن يجمعا بين النبوّة والخلافة. ولمّا كانت نبوّة النبيّ ثابتة، فليس لعليّ بن أبي طالب أن يتسلّم مقاليد الخلافة.
يقول ابن أبي الحديد: «و تعلّلت طائفة اخرى منهم بكراهيّة الجمع بين النبوّة والخلافة في بيت واحد يجحفون على الناس».[1]
ونحن قمنا بالتنقيب في كتب التأريخ والحديث فوجدنا أنَّ جذور هذا الرأي نابتة في كلام أبي بكر وعمر. فهما أوّل من نطق بهذه الاحدوثة. بينما هما أنفسهما احتجّا على الحباب بن المنذر في السقيفة بقربهما من رسول الله بعد أن تكلّم الحباب في فضل الأنصار وشرفهم وأولويّتهم، ومع ذلك قالا: لا يعقل أن تكون النبوّة والخلافة في بيتين؛ فحيثما كانت النبوّة، كانت الخلافة. وخطب الحباب بن المنذر في السقيفة فتحدّث عن أولويّة الأنصار وأفضليّتهم بحضور بعض المهاجرين وأبي بكر، وأبي عبيدة الجرّاح، ومعاذ بن جبل، وجميع الأنصار، ومنهم سعد بن عبادة رئيس الأوس، وبشير بن سعد رئيس الخزرج. وقال في آخر كلامه: فَأنْتُمْ أعْظَمُ النَّاسِ نَصِيبَاً في هَذَا الأمْرِ، وإنْ أبى القَوْمُ فَمِنَّا أمِيرٌ ومِنْهُمْ أمِيرٌ.
فَقَامَ عُمَرُ فَقَالَ: هَيْهَاتَ لَا يَجْتَمِعُ سَيْفَانِ في غِمْدٍ وَاحِدٍ، وإنَّهُ واللهِ لَا يَرْضَى العَرَبُ أنْ نُؤَمِّرَكُمُ ونَبِيُّهَا مِنْ غَيْرِكُمْ؛ ولَكِنَّ العَرَبَ لَا يَنْبَغِي أنْ تُوَلِّيَ هَذَا الأمْرَ إلَّا مَنْ كَانَتِ النُّبُوَّةُ فِيهِمْ وأُولُوالأمر مِنْهُمْ.
لَنَا بِذَلِكَ على مَنْ خَالَفَنَا مِنَ العَرَبِ الحُجَّةُ الظَّاهِرَةُ والسُّلْطَانُ المُبِينُ. مَنْ يُنَازِعُنَا سُلْطَانَ مُحَمَّدٍ ومِيرَاثَهُ- ونَحْنُ أوْلِيَاؤُهُ وعَشِيرَتُهُ- إلَّا مُدْلٍ بِبَاطِلٍ، أوْ مُتَجَانِفٍ لإثْمٍ، أوْ مُتَوَرِّطٍ في هَلَكَةٍ![2]
استدلّ عمر بهذا النحو على مرأي ومسمع من أبي بكر، وعلى هذا النهج لفت نظر الأنصار إلى بيعة قريش التي ينتسب إليها هو وأبو بكر معتبراً نفسه ورفيقه من أقرباء النبيّ وعشيرته. بينما نجد أنَّ عمر وأبا بكر أنفسهما عند ما يتواجهان مع أمير المؤمنين عليه السلام ويقول لهما: لقد خنتما، واستدللتما بالشجرة، وأضعتما الثمرة، ودعوتما الناس إلى البيعة بالمكر والخديعة محتجّين بأنكما شجرة رسول الله، ونحن ثمرة هذه الشجرة، ونحن أهل بيت رسول الله الذين أنزل الله فينا آية التطهير، ونزل علينا القرآن، يجيبان قائلين: لا تجتمع النبوّة والخلافة في مكان واحد، والعرب تكره اجتماعهما في بيت واحد.
ويضع أبو بكر أيضاً حديثاً في هذا المجال ينسبه إلى النبيّ، ويُشهد عليه عمر وأعوانه: أبا عبيدة، وسالماً مولي أبي حذيفة، ومعاذاً. افٍّ لَكُمْ ولِمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ، وافٍّ لَكُمْ ولِمَا تَكْذِبُونَ عَلَى رَسُولِ اللهِ مُتَعَمِّدَاً؛ وقَدْ قَالَ صلّى اللهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: مَنْ كَذَبَ عَلَيّ مُتَعَمِّدَاً فَلْيَتَبَوَّءْ مَقْعَدُهُ مِنَ النَّارِ.[3]
ويذكر السيّد هاشم البحرانيّ نقلًا عن كتاب «سليم بن قيس الهلاليّ» الذي يعتبر من الكتب المشهورة والموثّقة، ومن المصادر التأريخيّة التي ينقل عنها الكبار والموثّقون من أصحاب السير، يذكر في حديث كثير التفاصيل قصّة أخذ أمير المؤمنين عليه السلام إلى أبي بكر في المسجد لبيعته ومحاججة الإمام ضدّه، ويقول: وكان عليّ عليه السلام مشغولًا في الكلام فقال: يا معاشر المسلمين والمهاجرين والأنصار! أنشدكم الله: أسمعتم رسول الله صلّى الله عليه وآله يقول يوم غدير خمّ كذا وكذا؟! وفي غزوة تبوك كذا وكذا؟!
فلم يدع عليّ عليه السلام شيئاً قاله رسول الله صلّى الله عليه وآله علانية للعامّة إلّا ذكّرهم إيّاها. قالوا: اللهمّ نعم. فلمّا أن تخوّف أبو بكر أن تنصره الناس وأن يمنعوه منه، بادرهم فقال له: كلّ ما قلتَ حقّ قد سمعناه بآذاننا وعرفناه ووعته قلوبنا؛ ولكن سمعت رسول الله يقول بعد هذا: إنَّا أهْلُ بَيْتٍ اصْطَفَانَا اللهُ تعالى واخْتَارَ لَنَا الآخِرَةَ على الدُّنْيَا؛ فَإنَ اللهَ لَمْ يَكُنْ لِيَجْمَعَ لَنَا أهْلَ البَيْتِ النُّبُوَّةَ والخِلافَةَ.
فقال أمير المؤمنين عليّ عليه السلام لأبي بكر: هل أحد من أصحاب رسول الله شهد هذه معك؟! فقال عمر: صدق خليفة رسول الله؛ قد سمعته منه. وقال أبو عبيدة، وسالم مولى أبي حذيفة، ومعاذ بن جبل: قد سمعنا ذلك من رسول الله، فقال: لهم عليّ: لقد وفيتم بصحيفتكم التي تعاهدتم عليها في الكعبة: إن مات محمّد أو قتل لتزونّ هذا الأمر عنّا أهل البيت.[4]
ولا يمكن أن نجد راوياً لهذه الأحاديث الموضوعة التي يختلقونها ويرجعون إليها عند ما يدانون، غير أبي بكر الذي غصب فدكاً من السيّدة فاطمة الزهراء سلام الله عليها واختلق هذا الحديث القائل: نَحْنُ مَعَاشِرَ الأنْبِيَاءِ لَا نُوَرِّثُ دِرْهَمَاً ولَا دِيْنَارَاً؛ مَا تَرَكْنَاهُ فَهُوَ صَدَقَةٌ.
والحديث المفترى: أصْحَابِي كَالنُّجُومِ بِأيِّهِمُ اقْتَدَيْتُمْ اهْتَدَيْتُمْ، الذي يكذّب مضمونه سَنَدَهُ ونسبته إلى رسول الله.
ومن المصاديق الواضحة لذلك، هذا الحديث الموضوع القائل بعدم اجتماع النبوّة والخلافة في بيت واحد، إذ اختلقوه ونسبوه إلى رسول الله على خلاف كتاب الله والأحاديث المتواترة والإجماع وحكم العقل.
[1] «شرح نهج البلاغة» لابن أبي الحديد، تحقيق محمّد أبو الفضل إبراهيم، ج 11، ص 113.
[2] «الإمامة والسياسة» ص 9.
[3] يمكن أن تقرأ هذه الجملة: فَلْيَتَبَوَّءْ مَقْعَدُهُ مِنَ النَّارِ بصيغة المجهول. ويمكن أن تقرأ أيضاً بصيغة المعلوم.
[4] «غاية المرام» القسم الثاني، ص 552، الحديث الأوّل من الباب الرابع والخمسين.