نلحظه في الخطبة الشقشقيّة عند ما ينقل الأحداث بشكل واضح، يقسم بالله الذي فلق الحبّة، وبرأ النسمة، إنَّ هدفه الوحيد من قبول الخلافة هو دفع الظلم، وقمع الظالمين، والنظر في شئون المظلومين والفقراء والضعفاء والجياع، وإحقاق الحقوق المشروعة للناس، ويلوح من مضامين هذه الخطبة أنه خطبها في أيّام خلافته بعد الأحداث التي جرت في عصر من سبقوه من الخلفاء الثلاثة: أمَا واللهِ لَقَدْ تَقَمَّصَهَا ابْنُ أبِي قُحَافَةَ وإنَّهُ لَيَعْلَمُ أنَّ مَحَلِّى مِنْهَا مَحَلُّ القُطْبِ مِنَ الرَّحَى؛ يَنْحَدِرُ عَنِّي السَّيْلُ ولَا يَرْقَى إلَيّ الطَّيْرُ. فَسَدَلْتُ دُونَهَا ثَوْبَاً، وطَوَيْتُ عَنْهَا كَشْحاً، وطَفِقْتُ أرْتَئِي بَيْنَ أنْ أصُولَ بِيَدٍ جَذَّاءَ أوْ أصْبِرَ على طِخْيَةٍ عَمْيَاءَ يَهْرَمُ فِيهَا الكَبِيْرُ، ويَشِيبُ فِيهَا الصَّغِيرُ، ويَكْدَحُ فِيهَا مُؤْمِنٌ حتّى يَلْقَى رَبَّهُ؛ فَرَأيْتُ أنَّ الصَّبْرَ على هَاتَا أحْجَى؛ فَصَبَرْتُ وفي العَيْنِ قَذَىً وفي الحَلْقِ شَجًى. أرَى تُرَاثِي نَهْبَاً. حتّى مَضَى الأوَّلُ لِسَبِيْلِهِ، فَأدْلَى بِهَا إلَى ابْنِ الخَطَّابِ بَعْدَهُ (ثُمَّ تَمَثَّلَ بِقَوْلِ الأعْشَى): شَتَّانَ مَا يَوْمي على كُورِهَا *** ويَوْمُ حَيَّانَ أخِي جَابِرِ.
فَيَا عَجَبَاً بَيْنَا هُوَ يَسْتَقَيلُهَا في حَيَاتِهِ إذْ عَقَدَهَا لآخَرَ بَعْدَ وَفَاتِهِ- لَشَدَّ مَا تَشَطَّرَا ضَرْعَيْهَا- فَصَيَّرَهَا في حَوْزَةٍ خَشْنَاءَ يَغْلُطُ كلَامُهَا، ويَخْشُنُ مَسُّهَا، ويَكْثُرُ العِثَارُ فِيهَا والاعْتِذَارُ مِنْهَا، فَصَاحِبُهَا كَرَاكِبِ الصَّعْبَةِ إنْ أشْنَقَ لَهَا خَرَمَ، وإنْ أسْلَسَ لَهَا تَقَحَّمَ فَمُنِيَ النَّاسُ لَعَمْرُ اللهِ بِخَبْطٍ وشِمَاسٍ وتَلَوُّنٍ واعْتِرَاضٍ.
فَصَبَرْتُ على طُوْلِ المُدَّةِ وشِدَّةُ المِحْنَةِ حتّى إذَا مَضَي لِسَبِيْلِهِ، جَعَلَهَا في جَمَاعَةٍ وزَعَمَ أني أحَدُهُمْ. فَيَا لِلَّهِ ولِلشُّورَى! مَتَى اعْتَرَضَ الرَّيْبُ في مَعَ الأوَّلِ مِنْهُمْ حتّى صِرْتُ أقْرَنُ إلَى هَذِهِ النَّظَائِرِ، لَكِنِّي أسْفَفْتُ إذَا أسَفُّوا وطِرْتُ إذَا طَارُوا.
فَصَغَى رَجُلٌ مِنْهُمْ لِضِغْنِهِ، ومَالَ الآخَرُ لِصِهْرِهِ، مَعَ هَنٍ وَهَنٍ. إلَى أنْ قَامَ ثَالِثُ القَوْمِ نَافِجَاً حَضْنَيْهِ بَيْنَ نَثِيلِهِ ومُعْتَلَفِهِ؛ وقَامَ مَعَهُ بَنُو أبِيهِ يَخْضِمُونَ مَال اللهِ خَضْمَةَ الإبِلِ نِبْتَةَ الرَّبِيعِ. إلى أنْ انْتَكَثَ فَتْلُهُ، وأجْهَزَ عَلَيْهِ عَمَلُهُ، وكَبَتْ بِهِ بِطْنَتُهُ فَمَا رَاعَنِي إلَّا والنَّاسُ كَعُرْفِ الضَّبْعِ إلَيّ، يَنْثَالُونَ عَلَيّ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ، حتّى لَقَدْ وُطِئَ الحَسَنَانِ، وشُقَّ عِطْفَايَ، مُجْتَمِعِينَ حَوْلِي كَرَبِيضَةِ الغَنِمِ. فَلَمَّا نَهَضْتُ بِالأمْرِ نَكَثَتْ طَائِفَةٌ ومَرَقَتْ اخْرَى وقَسَطَ آخَرُونَ؛ كَأنهُمْ لَمْ يَسْمَعُوا كَلَامَ اللهِ حَيْثُ يَقُولُ: {تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُها لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ ولا فَساداً والْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ}.[1]
بَلَى واللهِ لَقَدْ سَمِعُوهَا ووَعُوهَا ولَكِنَّهُمْ حَلِيَتْ الدُّنْيَا في أعْيُنِهِمْ ورَاقَهُمْ زِبْرِجُهَا. أمَا والذي فَلَقَ الحَبَّةَ وبَرَأ النَّسَمَةَ لَوْ لا حُضُورُ الحَاضِرِ، وقِيَامُ الحُجَّةِ بِوُجُودِ النَّاصِرِ، ومَا أخَذَ اللهُ على العُلَمَاءِ أنْ لَا يُقَارُّوا عَلَى كِظَّةِ ظَالِمٍ ولَا سَغَبِ مَظْلُومٍ لألْقَيْتُ حَبْلَهَا على غَارِبِهَا، ولَسَقَيْتُ آخِرَهَا بِكَأسِ أوَّلِهَا، ولألْفَيْتُمْ دُنْيَاكُمْ هَذِهِ أزْهَدُ عِنْدِي مِنْ عَفْطَةِ عَنْزٍ!
(قَالُوا) وقَامَ إليه رَجُلٌ مِنْ أهْلِ السَّوَادِ عِنْدَ بُلُوغِهِ إلَى هَذَا المَوْضِعِ مِنْ خُطْبَتِهِ فَنَاوَلَهُ كِتَاباً فَأقْبَلَ يَنْظُرُ فِيهِ.
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا: يَا أمِير المُؤْمِنِينَ لَوِ اطَّرَدْتَ خُطْبَتَكَ مِنْ حَيْثُ أفْضَيْتَ! فَقَالَ: هَيْهَاتَ يَا بْن عَبَّاسٍ! تِلْكَ شِقْشِقَةٌ هَدَرَتْ ثُمَّ قَرَّتْ!
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَوَ اللهِ مَا أسِفْتُ على كَلَامٍ قَطُّ كَأسَفِي عَلَى هَذَا الكَلَامِ أنْ لَا يَكُونَ أمِيرُ المُؤْمِنِينَ عَلَيْهِ السَّلَامُ بَلَغَ مِنْهُ حَيْثُ أرَادَ.[2]
[1] الآية 83، من السورة 28: القصص.
[2] «نهج البلاغة» الخطبة الثالثة. ونقل هذه الخطبة كاملة أيضاً استاذ الشريف الرضيّ وشيخه: الشيخ المفيد في «الإرشاد» ص 159 و160، الطبعة الحجريّة. وكذلك ذكرها المرحوم الصدوق في «معاني الأخبار» ص 360 إلي 362.