إذا كانت الإمامة والحكومة بتعيين وانتخاب الناس وبوجوب الرجوع إلى أهل الخبرة وأصحاب الحلّ والعقد، فلما ذا بادر القوم سرّاً وعلى عجل وبسرعة تفوق الحدّ باتّجاه السقيفة دون أن يعلموا عليا وشيعته من كبار أصحاب رسول الله من المهاجرين والأنصار ودون أن يخبروا العبّاس عمّ النبيّ وأولاده، ودون أن يشترك أحد من بني هاشم، وتخلّف جمع كثير من المهاجرين والأنصار بينما لا يزال جثمان رسول الله مُسجي على الأرض وعليّ مشغول بغسله وتكفينه؟ ونقل المؤرّخون من العامّة أنَّ الشيخين (أبو بكر وعمر) أسرعا إلى سقيفة بني ساعدة وهما يتسابقان. وبعد محادثات دارت في السقيفة خفية، وهي تحوم حول أفضليّة قريش على الأنصار، صوّتوا وبايعوا أبا بكر.
وإذا كان الانتماء إلى قريش معياراً للإمامة، فعليّ أفضل قريش وأعلمهم وأقربهم من رسول الله، فكيف استدلّوا بالشجرة وأضاعوا الثمرة؟ يقول ابن قتيبة الدينوريّ: لمّا اخذ عليّ إلى المسجد للبيعة، وامر بها قال: اللهَ اللهَ يَا مَعْشَرَ المُهَاجِرِينَ! لَا تُخْرِجُوا سُلْطَانَ مُحَمَّدٍ في العَرَبِ عَنْ دَارِهِ وقَعْرِ بَيْتِهِ إلَى دُورِكُمْ وقُعُورِ بُيُوتِكُمْ! ولَا تَدْفَعُوا أهْلَهُ عَنْ مَقَامِهِ فِي النَّاسِ وحَقِّهِ! فَوَ اللهِ يَا مَعْشَرَ المُهَاجِرِينَ! لَنَحْنُ أحَقُّ النَّاسِ بِهِ، لأنا أهْلُ البَيْتِ، ونَحْنُ أحَقُّ بِهَذَا الأمْرِ مَنْكُمْ!
مَا كَانَ فِينَا القَارِئ لِكِتَابِ اللهِ، الفَقِيهُ في دِينِ اللهِ، العَالِمُ بِسُنَنِ رَسُولِ اللهِ، المُضْطَلِعُ بِأمْرِ الرَّعِيَّةِ، المُدَافِعُ عَنْهُمُ الامُورَ السَّيِّئةَ، القَاسِمُ بَيْنَهُمْ بِالسَّوِيَّةِ، واللهِ إنَّهُ لَفِينَا؛ فَلَا تَتَّبِعُوا الهَوَى فَتَضِلُّوا عَنْ سَبِيلِ اللهِ! فَتَزْدَادُوا مِنَ الحَقِّ بُعْدَاً.
فَقَالَ بَشِيرُ بْنُ سَعْدٍ الأنْصَارِيّ: لَوْ كَانَ هَذَا الكَلَامُ سَمِعَتْهُ الأنْصَارُ مِنْكَ يَا عَلِيّ قَبْلَ بَيْعَتِهَا لأبِي بَكْرٍ مَا اخْتَلَفَ عَلَيْكَ اثْنَانِ![1]
ينبغي أن نعلم أنَّ بشير بن سعد المذكور هو بَشِيرُ بْنُ سَعْد بْن ثَعْلَبَةَ بْن جُلَاس ألأنْصَارِيّ الخَزْرَجِيّ من سادات الخزرج وكبارها.[2] وهو الذي تنافس في السقيفة مع سعد بن عبادة رئيس الأوس حسداً، وقد سبق إلى بيعة أبي بكر حتّى بادر إليها قبل عمر وأبي عبيدة بن الجرّاح، فاقتفى الأنصار أثره في البيعة.
وفي هذه الحالة فإنّه نفسه يعترف أنَّ الأنصار لو كانت سمعت كلام عليّ قبل بيعة أبي بكر، لما تخلّف أحد عن بيعته. ويستبين هنا أنَّ سقيفة بني ساعدة كان يسودها ذلك الوضع إذ لم تشهد حضور أهمّ مرشّح للخلافة له كلّ هذه الامتيازات، ولو كان حاضراً، فلا جرم يتّخذ المجلس طابعاً آخر. فلا شأن إذَن لذلك الاختيار، ولا قيمة لذلك الاجتماع السرّيّ الذي عقد خفية بغياب عليّ وبني هاشم وكبار المهاجرين والأنصار.
[1] «الإمامة والسياسة» ص 12 و13، طبعة مصر، سنة 1328 هـ. يقول أحمد أمين المصريّ في الجزء الأوّل من «ضحي الإسلام» ص 402: ابن قتيبة: أبو محمّد عبد الله بن مسلم. أصله فارسيّ من مرو. تربّي في بغداد وتولّي فيها القضاء. وبعد ذلك تولّاه بدينور فنسب إليها، ثمّ كان معلّماً ببغداد. وعاش من سنة 213 هـ إلي سنة 276 هـ.
[2] «أسد الغابة» ج 1، ص 195.