قد عرفت [في المقامات المتقدمة] تظافر الروايات وتواترها بأنّ المراد منه في الآية المباركة [وهي آية المودة] هم أهل البيت وأهل الكساء ، وبعد ذلك لا وجه لحمل القربى على أنّ المقصود هو قرابة الرسول ـ صلى الله عليه وآله ـ مع مشركي قريش ، وأنّ الخطاب لقريش ، والأجر المسئول هو مودّتهم للنبيّ ـ صلى الله عليه وآله ـ لقرابته منهم ، معللا بأنّ قريش كانوا يكذبونه ويبغضونه لتعرضه لآلهتهم ، على ما في بعض الأخبار فأمر ـ صلى الله عليه وآله ـ أن يسألهم إن لم يؤمنوا به فليودوه لمكان قرابته منهم ، ولا يبغضوه ، ولا يؤذوه ، فالقربى مصدر بمعنى القرابة ، وفي للسببيّة ، وذلك لأنّه اجتهاد في مقابل النصّ ، هذا مضافا إلى ما أشار إليه في دلائل الصدق من أنّه لا معنى لسؤال الأجر على التبليغ ممن لم يعترف له بالرسالة ؛ لأنّ المقصود على هذا التفسير هو السؤال من الكافرين (1).
واوضح ذلك في الميزان حيث قال : إنّ معنى الأجر إنّما يتم إذا قوبل به عمل يمتلكه معطي الأجر ، فيعطى العامل ما يعادل ما امتلكه من مال ونحوه ، فسؤال الأجر من قريش ، وهم كانوا مكذبين له كافرين بدعوته ، إنّما كان يصحّ على تقدير إيمانهم به ـ صلى الله عليه وآله ـ لأنّهم على تقدير تكذيبه والكفر بدعوته لم يأخذوا منه شيئا حتّى يقابلوه بالأجر ، وعلى تقدير الإيمان به ، والنبوّة أحد الاصول الثلاثة في الدين لا يتصور بغض حتّى تجعل المودّة أجرا للرسالة ويسأل.
وبالجملة لا تحقق لمعنى الأجر على تقدير كفر المسئولين ، ولا تحقق لمعنى البغض على تقدير إيمانهم حتّى يسألوا المودّة ، وهذا الإشكال وارد حتّى على تقدير أخذ الاستثناء منقطعا ، فإنّ سؤال الأجر منهم على أيّ حال إنّما يتصور على تقدير إيمانهم ، والاستدراك على الانقطاع إنّما هو عن الجملة بجميع قيودها فأجد التأمل فيه (2).
وإليه يشير قوله في دلائل الصدق في ردّ ذلك المعنى على تقدير انقطاع الاستثناء فإنّ المنقطع عبارة عن إخراج ما لو لا إخراجه ، لتوهم دخوله في حكم المستثنى منه نظير الاستدراك ، وأنت تعلم أنّ المستثنى الّذي ذكره الفضل أجنبي عمّا قبله بكلّ وجه ، فلا يتوهم دخوله في حكمه حتّى يستثنى منه (3).
والأضعف ممّا ذكر هو حمل القربى على التقرّب من الله بطاعة ، فإنّه مضافا إلى كونه اجتهادا في مقابل النصّ ، لا تساعده اللغة ، إذ القربى لم تأت في اللغة بمعنى التقرّب ، قال في القاموس : القربى القرابة وهو قريبي وذو قرابتي ، وممّا ذكر يظهر ما في تفسير القرطبي حيث مال إليه ، واعتمد على الخبر الشاذ في مقابل الأخبار المتواترة.
ثم إنّ القربى مختص بأهل بيته بعد تعينه في الأخبار ، قال في دلائل الصدق : قول الفضل وظاهر الآية على هذا المعنى شامل لجميع قرابات النبيّ ـ صلى الله عليه وآله ـ باطل ... لأنّ المعلوم من حال النبيّ ـ صلى الله عليه وآله ـ الاعتناء بعليّ وفاطمة والحسنين لا من ناوأه من أقربائه ، ولم يسلموا إلّا بحدود السيوف والغلبة ، وللقرينة العقليّة إذ لا يتصور أن يكون ودّ من لم يواد الله ورسوله أجرا للتبليغ والرسالة ، فلا بدّ أن يكون المراد مودة من يكمل الإيمان بمودّته ، وتحصل السعادة الأبديّة بموالاته ، ولذا قال سبحانه في آية اخرى : (قُلْ ما سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ) بل بلحاظ شأن النبيّ ـ صلى الله عليه وآله ـ إنّما يعدّ قرابة له ، من هو منه ، لا من بان عنه معنى ومنزلة ، ولذا قال تعالى لنوح : (إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ) انتهى موضع الحاجة (4).
وقيل : إنّ الآية مكيّة ؛ لأنّها في سورة الشورى مع أنّ الحسنين ولدا في المدينة وأجاب عنه في الإمامة والولاية : بأنّ هذا الإشكال ضعيف ، فإنّه قد أكّد غير واحد من أئمة هذا الفن نزول الآية في المدينة.
على اننا لو سلمنا كونها مكيّة ، فما المانع في ذلك؟ مع أنها نظير غيرها من الآيات الكريمة التي سيقت لبيان قضية حقيقية ، لا خارجية ، فهي تصبح فعلية اذا وجد من تنطبق عليه (5).
وأجاب عنه في الغدير أيضا : بأنّ دعوى كون جميع سورة الشورى مكية ، تكذبها استثناؤهم قوله تعالى : «أَمْ يَقُولُونَ افْتَرى عَلَى اللهِ كَذِباً ـ إلى قوله ـ : خَبِيرٌ بَصِيرٌ» ، وهي أربع آيات. واستثناء بعضهم قوله تعالى : «وَالَّذِينَ إِذا أَصابَهُمُ الْبَغْيُ ـ إلى قوله ـ : مِنْ سَبِيلٍ» ، وهي عدة آيات فضلا عن آية المودّة.
ونصّ القرطبي في تفسيره : ج 16 ص 1 ، والنيسابوريّ في تفسيره ، والخازن في تفسيره : ج 4 ص 49، والشوكانيّ في «فتح القدير» : ج 4 ص 510 ، وغيرهم عن ابن عباس وقتادة على أنّها مكيّة إلّا أربع آيات، أوّلها : (قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً) (6) ـ إلى أن قال ـ : وأمّا إن تزويج علي بفاطمة ـ عليهما السلام ـ كان من حوادث العهد المدنيّ ، وقد ماشينا الرجل (المستشكل) على نزول الآية في مكّة ، فإنّه لا ملازمة بين إطباق الآية بهما وبأولادهما ، وبين تقدم تزويجهما على نزولها ، كما لا منافاة بينه وبين تأخر وجود أولادهما على فرضه ، فإنّ مما لا شبهة في كون كلّ منهما من قربى رسول الله ـ صلى الله عليه وآله ـ بالعمومة والنبوّة ، وأمّا أولادهما فكان من المقدّر في العلم الأزلي أن يخلقوا منهما ، كما أنّه قد قضي بعلقة التزويج بينهما ، وليس من شرط ثبوت الحكم بملاك عامّ يشمل الحاضر والغابر وجود موضوعه الفعلي ، بل إنّما يتسرب إليه الحكم مهما وجد ، ومتى وجد ، وأنّى وجد.
على أنّ من الممكن أن تكون قد نزلت بمكة في حجّة الوداع ، وعليّ قد تزوّج بفاطمة وولد الحسنان ، ولا ملازمة بين نزولها بمكّة ، وبين كونه قبل الهجرة. ويرى الذين اوتوا العلم الّذي انزل إليك من ربك هو الحق (7).
ثم القربى لا تنحصر في عليّ وفاطمة والحسنين ـ عليهم السلام ـ بل يشمل الأئمة كلّهم دون غيرهم ، كما نصّ عليه في الأحاديث ، ومنها : ما في الكافي عن أبي جعفر ـ عليه السلام ـ في قوله تعالى : (قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى) قال : هم الأئمة ـ عليهم السلام ـ.
ومنها ما في روضة الكافي عن أبي عبد الله ـ عليه السلام ـ قال : ما يقول أهل البصرة في هذه الآية : (قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى)؟ قلت : جعلت فداك ، إنّهم يقولون : إنّها لأقارب رسول الله ـ صلى الله عليه وآله ـ قال : كذبوا إنما نزلت فينا خاصّة أهل البيت في عليّ وفاطمة والحسن والحسين وأصحاب الكساء عليهم السلام (8).
_______________
(1) دلائل الصدق : ج 2 ص 78.
(2) تفسير الميزان : ج 18 ص 43 ـ 44.
(3) دلائل الصدق : ج 2 ص 78.
(4) دلائل الصدق : ج 2 ص 78 ـ 79.
(5) الامامة والولاية : ص 167.
(6) الغدير : ج 3 ص 172 ـ 173.
(7) الغدير : ج 3 ص 173 ـ 174.
(8) تفسير نور الثقلين : ج 4 ص 571 ـ 573 نقلا عن الكافي وروضته.