ذكر ابن أبي الحديد في شرحه أيضاً أنّ ابن نوح قال: واعَجَبَا مِنْ قَوْمٍ- يَعْنِي مِنْ أصْحَابِ صِفِّينٍ- يَعْتَرِيهِمُ الشَّكُّ في أمْرِهِمْ في مَكَانِ عَمَّارٍ؛ وَلَا يَعْتَرِيهِمُ الشَّكُّ في مَكَانِ عَلِيّ عَلَيهِ السَّلَامُ وَيَسْتَدِلُّونَ على أنَّ الحَقَّ مَع أهْلِ العِرَاقِ يَكُونُ عَمَّارٌ بَيْنَ أظْهُرِهِمْ؛ وَلَا يَعْنُونَ بِمَكَانِ عَلِيّ؛ وَيَحْذَرُونَ مِنْ قَوْلِ النَّبِيّ صلّى اللهُ عَلَيهِ وَآلِهِ: تَقْتُلُكَ الفِئَةُ البَاغِيَةُ؛ وَيَرْتَاعُونَ لِذَلِكَ؛ وَلَا يَرتَاعُونَ لِقَوْلِهِ في عَلِيّ عَلَيهِ السَّلَامُ: "اللهُمَّ وَالِ مَنْ وَالاهُ، وَعَادِ مَنْ عَادَاهُ؛ وَلا لِقَوْلِهِ: لَا يُحِبُّكَ إلَّا مُؤْمِنٌ، وَلَا يُبْغِضُكَ إلَّا مُنَافِقٌ".[1]
ونقل ابن أبي الحديد في شرحه أيضاً أنّ عمّار بن يَاسِر كان يتحدّث مع عَمرو بن العاص في يوم صِفِّين.
قال له عمّار بن يَاسِر: ساخْبِرك على ما اقاتلك عليه وأصحابك. إنّ رسول الله أمرني أن اقاتل الناكثين، وقد فعلتُ. وأمرني أن اقاتل القاسطين، وأنتم هم! وأمّا المَارِقُون، فلا أدري أدركهم أم لا؟!
أيُّهَا الأبْتَرُ! ألَسْتَ تَعْلَمُ أنَّ رَسُولَ اللهِ صلّى اللهُ عَلَيهِ وَآلِهِ قَالَ: مَنْ كُنْتُ مَوْلَاهُ فَعَلِيّ مَوْلَاهُ، اللهُمَّ وَالِ مَنْ وَالاهُ، وَعَادِ مَنْ عَادَاهُ؟ وَأنَا مَوْلَى اللهِ وَرَسُولِهِ؛ وَعَلِيّ مَوْلَايَ بَعْدَهُمَا.[2]
إنّ العلّامة الكبير والمُحَدِّث العظيم: السيّد هاشم البَحْرانيّ، وهو من علماء الإسلام ومدرسة التشيّع، ومن الشخصيّات القيّمة. وهو صاحب «تفسير البرهان»، و«مدينة المعاجز» و«غاية المرام»، وكتب اخرى؛ يقول في «غاية المرام» بعد نقله تسعة وثمانين حديثاً عن العامّة ذكرنا عدداً قليلا منها هنا: خبر غدير خمّ قد بلغ حدّ التواتر من طريق العامّة والخاصّة، حتّى أنّ محمّد بن جرير الطبريّ صاحب التأريخ أخرجه وطرقه من خمسة وسبعين طريقاً، وأفرد له كتاباً سمّاه: كتاب «الوَلايَة»؛ وهذا الرجل عامّيّ المذهب.
وأفرد له أبو العبّاس محمّد بن سعيد بن عُقدَة كتاباً؛ واستخرج طرق حديث الغدير من مائة وخمسة طرق؛ وهذا قد تجاوز حدّ التواتر؛ فلا يوجد خبر قطّ نقل من طرق بقدر هذه الطرق. فيجب أن يكون أصلًا متّبعاً وطريقاً واضحاً.
[1] «غاية المرام» ص 89، الحديث الخامس و الثمانون.
[2] «المصدر السابق»، الحديث السادس و الثمانون.