أما الدعوة إلى إصلاح الكنيسة فيعبر عنها بالإصلاح من الداخل، أي من داخل الكنيسة ذاتها، فتقوم الكنيسة على أيدي رجالها بإزالة مفاسدها وتنظيم شئونها وإصلاح نفسها بنفسها.
وكان قوام هذا الاتجاه عقد المجالس Councils أو «المجامع الكنسية تباعا، وفى فترات متفاوتة نوعاً ما، ويطلق عليها «حركة المجامع الكنسية». وقد بدأت على يد رجال الدين الكاثوليك الذين عقدوا المجالس الدينية لإدخال الإصلاح اللازم للكنيسة من داخل الكنيسة، بل إن آخر هذه المجالس، وهو المجلس الديني الذي عقد في بال Basle في سنة 1431م، أراد أن يضع القرارات التي يصدرها المجالس الدينية فوق قرارات البابا، وأراد أن يحد من سلطة البابا ويمنع عنه بعض الأموال الكنسية. ولكن اعتلاء البابا نقولا الخامس في 1447م كرسي البابوية قضى على هذه المحاولة، الأمر الذي أدى إلى فشل حركة المجالس الدينية في إدخال الإصلاح المطلوب من داخل الكنيسة.
وقد كان من كبار المصلحين الدينيين الذين أرادوا أن تقوم الكنيسة بإصلاح نفسها، يوحنا رويخلين John Reuchlin (1455 - 1522م)، وديزيديريوس إيرازموس Desiderius Erasmus (1467 - 1536م).
أما يوحنا، رويخلين، فهو «إنساني» ينتمي للحركة الإنسانية في عصر النهضة، ومتخصص في الدراسات العبرية، وكان طيلة قسم كبير من حياته المركز الحقيقي لكل الدراسات الإغريقية والعبرية في ألمانيا. وقد استعان باللغة العبرية في تفسير العهد القديم من الكتاب المقدس The Old Testament وأثار بكتاباته ضجة من الجدل، وكشف هو وتلاميذه وأتباعه عن مساوئ الكنيسة، ونقدوا البدع والخرافات التي انتشرت فيها، مما أدى في النهاية إلى تكوين قسم من الرأي العام معاد لكنيسة روما. ولكنه مع لم يستهدف إطلاقا الخروج على الكنيسة أو الانفصال عنها، وإنما كان هدفه أن تقوم الكنيسة بإصلاح نفسها.
أما ديزيديريوس إيرازموس Desiderius Erasmus فــهــو «إنساني» أيضا، وهو الزعيم المعترف به لحركة الاستنارة في أوروبا حتى أيام فولتير (اسمه الأصلي جيرهارد جیرهاردسون) وقد نادى بإصلاح عيوب الكنيسة، وأسهم في إثارة الرأي العام ضد البابوية والكنيسة، وإن لم يستهدف هو ايضا الانفصال عن الكنيسة أو الانشقاق عنها.
وتتمثل أهميته، من ناحية الإصلاح الديني، في ترجمته إلى اللغة اللاتينية القسم اليوناني من الكتاب المقدس، أي الإنجيل أو العهد الأعظم، وأرفق مع هذه الترجمة النص اليوناني القديم الأصلي، فكشف بهذه الترجمة الصحيحة ما في الترجمة اللاتينية القديمة للكتاب المقدس، والتي راجعها القديس جيروم في القرن الرابع، واعتمدتها الكنيسة الكاثوليكية The Vulgate ، من أخطاء في بعض مواضعها. ويذلك لم تعد نسخة الإنجيل المكتوبة باللاتينية منذ القرن الرابع شيئا مقدسا.
وقد كان تأثير ذلك على الفكر المسيحي عظيما. فإذا كان في وسع الرجل العلماني أن ينفذ من وراء اللغة اللاتينية، وهي ا الرسمية للإكليروس، إلى اللغتين الأصليتين اللتين كتب بهما الكتاب المقدس، وهما العبرية التي كتب بها العهد القديم أو التوراة واليونانية التي كتب بها العهد الجديد أو الإنجيل. وإذا كانت نسخة الإنجيل المكتوبة باللاتينية والمعتمدة من الكنيسة الكاثوليكية، قد فقدت قداستها، فقد كان لابد أن تظهر فكرة أن الإنسان يستطيع الاتصال بربه مباشرة دون وساطة القسس.
ومع فشل الكنيسة في إصلاح نفسها بنفسها، وعدم استجابتها لرغبات المصلحين انتقلت حركة الإصلاح الديني إلى مرحلتها الثانية، وهي مرحلة فرض الإصلاح من الخارج. وهذه المرحلة لا تقتصر فقط على إصلاح الكنيسة، بل واصلاح العقيدة ذاتها وكان على رأس هذه الحركة مارتن لوثر Martin Luther (1483 - 1546م) وأولريك فينجلي Ulrich Zwingli، ويوحنا كلفن John Calvin.