تمثلت روح العصر البورجوازي العملية أكثر ما تمثلت في التطور الذي طرأ على الفكر السياسي، والذي عبر عنه مكيافيللي
Nicolo Machiavelli (1469 -1527) م في نظرياته ومبادئه التي تتألف من مجموعة أقواله فى كتبه، وخاصة كتابه: «الأمير» -II Prin cipe. فمع أن «مكيافيللي» قد ولد من طبقة النبلاء القديمة، إلا أنه ولد في فلورنسا حيث كانت الطبقة البورجوازية على درجة كبيرة من القوة.
وقد شهد حكم الراهب الثائر سافونا رولا Savonarola (1452 - 1498م) الذي كان يرى ألا خلاص لإيطاليا إلا عن طريق التمسك بالفضيلة والأخلاق. وكانت مأساة سافونا رولا تجربة عملية أمام مكيافيللي استقى منها دروسه السياسية التي شرحها في بعض كتبه، فقد رأى أن «سافونا رولا» قد لقى حتفه لأنه كان خياليا متعسفا في إيمانه بالفضيلة التي لا وجود لها بين الناس، ورأى أن فكرة الإخاء الإنساني التي قامت عليها دعوة «سافونا رولا» وحملته الدينية غاية في السخافة، وأن القيود التي تضمنتها تعاليم المسيح لا يمكن التقيد بها إذا كان لابد أن يُحكم الناس وأن يسود بينهم نظام.
فضلا عن ذلك، فقد عاش مكيافيللي حياته العملية متصلا بالأحداث التي عصفت بفلورنسا، فقد قام ببعثات دبلوماسية إلى روما وفرنسا، كما أوفد إلى بلاد الإمبراطور الألماني مكسميليان في الوقت الذي كانت فلورنسا مهددة بالجيوش الأجنبية من جهة، وبمرتزقة سيزار بورجيا من جهة أخرى، وشاهد أطماع البابوات السياسية، وتحررهم من أخلاقيات البابوية، فكانت هذه الأحوال والظروف والحوادث هي التي ألهمته عندما كتب كتابه المشهور «الأمير»، مستخلصا منها الآراء والقواعد التي وضعها لإرشاد الحكام في حكم الإمارات عموما.
وتتلخص فلسفة مكيافيللي السياسية في أن الطبيعة الإنسانية تتصف بالشر والفساد في جوهرها، وأن الإنسان ولد خبيثا لا يفعل الخير إلا إذا اضطر إلى ذلك. وبناء على هذه الحقيقة، التي يعتبر ماكيافيللى التسليم بها أول المبادئ السياسية في العلوم السياسية، فإنه لا يمكن الاعتماد على الطبيعة الإنسانية وحدها لإصلاح نفسها، فالشر لا يمكن التغلب عليه إلا بكبحه والضغط عليه.
ثانياً: أن القوة هي أساس نجاح الحكام، ومن ثم فإن الالتجاء إلى الحرب من وقت إلى آخر ضرورة للمحافظة على كيان الدولة، لأن السلام الدائم من شأنه أن يؤدى إلى ضعف أبناء الدولة، في حين يؤدى الخوف والخطر إلى اتحادهم وتماسكهم، ومن ثم فلابد من تأسيس جيش وطنى فى حكومة أمير له القدرة على تنظيم وقيادة جنوده، ثم استخدام هؤلاء في الدفاع عن البلاد والحفاظ على وحدتها الوطنية.
ثالثاً: أن من يتطلع من الحكام إلى السلطة المطلقة، لابد أن يرحب بالفلسفة التي تقول: إن فشل الحاكم هو الجريمة التي لا تغتفر)! ولذلك فعليه أن يكيف أخلاقه حسب الظروف، وأن يتحرر من القيود الأخلاقية المقررة باعتبار هذا التحرر ضرورة يحتمها الصالح العام.
وفى ذلك يقول: إذا تعرضت حياة الوطن للخطر، وجب أ يفكر الإنسان في عدل أو ظلم أو قسوة أو شرف أو عار، بل يجب في هذه الحال أن ينبذ كل المبادئ كما ينبذ الثوب البالي، وألاً يسلك إلا السبيل التي تنقذ الوطن وتحفظ له حريته.
وبمعنى آخر كان ماكيافيللى يرى أن الغاية تبرر الوسيلة، وأن من حق الحاكم ان يرتكب أعمال العنف والشدة والخداع والغش اقتضاء الظروف لمصلحة بلاده.
رابعاً: على الرغم من إعجاب ماكيافيللى بالمستبد القوى، فإنه كان يعجب بالشعب الحر الذي يحكم نفسه بنفسه. وقد وفق بين هذين النوعين من الإعجاب المتناقضين بأن أوصى بالحكم الاستبدادي في حالتين خاصتين: الحالة الأولى: إنشاء دولة والحالة الثانية: إصلاح دولة فاسدة.
ومن الناحية الأولى، فبعد تأسيس الدولة لابد لضمان استمرارها من أن يسمح للناس بنصيب في الحكومة، ولابد أن يدبر الحاكم عندئذ شئون الدولة وفقا للقانون، وأن يراعي حقوق رعاياه.
أما من الناحية الثانية وهي التي تختص بإصلاح دولة فاسدة، فقد رأى ماكيافيللى أن العنف الاستبدادي دواء سياسيي قوى لابد من استخدامه في الدولة الفاسدة، ولكنه كالسم يجب استخدامه بحذر.
ويعتبر بعض المؤرخين أن ماكيافيللى لم يبتدع شيئا جديدا، فإن كل ما أخرجه من أعمال ونظريات لاتعدو التعبير عن الآراء السائدة في عصره، وشرح الطرق والمسائل السياسية التي استخدمت في عصره لتنفيذ السياسات. وهذا تفسير صادق. ولذلك يرى بعض المؤرخين أن كتاب «الأمير» يمكن اعتباره وثيقة تاريخية تصور الأخلاق السياسية في إيطاليا في أوائل القرن السادس عشر، أكثر منه عملا مثاليا شبيها بجمهورية أفلاطون أو «يوتوبيا» سيرتوماس مور.
ذلك فإن الأثر الذي أحدثه كتاب «الأمير» في تاريخ العالم، يكاد يضارع فى رأى بعض المؤرخين ما تركه كتاب «العقد الاجتماعي» لجان جاك روسو من أثر. فإن أوروبا في المائتين والخمسين عاما التي أعقبت موته كانت إما خاضعة للمبادئ الماكيافيللية، وإما ثائرة عليها.
فقد سارت على هذه المبادئ كاترين دى مديتشي زوجة هنري الثاني ملك فرنسا التي وقعت في أيامها مذبحة سان بارتولوميو Saint Partholomew's Day Massacre التي قتل فيها عدد كبير من الهوجينوت Huguenots (البروتستنت) الفرنسيين، كما سار على هذه المبادئ ريشيليو Richelieu ، ولويس الرابع عشر، وهنري الثامن والملكة إليزابيث، وفردريك الأكبر ملك بروسيا. ثم بسمارك مثل الماكيافيللية الأعلى، وكان نابليون نفسه أعظم من تمثلت فيه هذه التقاليد.