يقولون: يجب اتّباع مدرسة الباقر والصادق والسير وراء ما قالاه وصرّحا به دائماً وأبداً. وهذا الكلام صحيح، لأنه مضافاً إلى ما يحمله من دعوة إلى التعبّد بالمذهب والانشداد إليه، فإنّه ينطق بالحقّ، إذ ليس في العالم مدرسة تماثل مدرسة الإمام الصادق من حيث النظرة الواقعيّة، والاصالة والنزوع إلى الأصالة؛ إلّا أنّ زبدة الكلام هنا هي: هل يتسنّى لكلّ أحد أن يفهم ما قال الباقر وما قال الصادق؟ وهل يستوعب العاميّ كُنْه ما يقولانه؟ لا، ليس كذلك.
فأخبارهما كالقرآن الكريم لها محكم ومتشابه، وناسخ ومنسوخ، ومطلق ومقيّد، ومجمل ومبيّن، وعامّ وخاصّ، وباطن وظاهر؛ فمن يمكنه أن يزعم أنه يحمل كتاب الأخبار معه دائماً ويقرأ فيه باستمرار ويستوعب ما يضمّه من مغزى ومحتوى؟ هذا كلام فيه مبالغة حقّاً.
يقول الجميع: قال الصادق؛ كلمة يقولها الشيخيّ، والأخباريّ والأصوليّ، والإسماعيليّ؛ فلما ذا إذَن اتّسعت شقّة الخلاف في الخطّ والعقيدة إلى هذه الدرجة؟ فقول: قال الصادق وحده لا يكفى ما لم نستوعب معناه ومحتواه، ونوظّف العقل لأجل ذلك. أَولم يتكلّم معنا اولئك العظماء عن طريق قوانا العقليّة، وعن طريق تفكّرنا ودرايتنا؟ إذَن، كيف يمكننا أن نطلّق العقل تماماً ونقول: حسبنا مدرسة أهل البيت؟! اناشدكم الله، أليس هذا الكلام مرتكزاً على تفكير عقليّ؟ ألا يلزم من وجوده عدمه؟ ألا يبطل نفسه بنفسه؟
إذَن، ما أقصر التفكير الذي يقتنع بالظواهر؛ وينأى عن كُنه المعاني التي أدلى بها صاغة الكلام المنطقيّون ونحارير البلاغة وليوث أجمة العرفان والمعرفة؛ ويكتفي بذلك!
كذلك فإنّ الفرق الإسلاميّة جميعها تقول: كتاب الله، كتاب الله.
الشيعة تقول ذلك، والسنّة، والأشاعرة، والمعتزلة، والوهّابيّة، وغيرهم؛ لكن، هل اقتفي الجميع طريق الحقّ؟! وهل استوعبوا كتاب الله كما هو؟! أنّ اولئك الذين قالوا: كتاب الله. أرادوا أن يدينوا أمير المؤمنين بذلك، وأرادوا من وراء كلمتهم لَا حُكْمَ إلَّا للهِ، وهي كلمة حقّ يُرادَ بِهَا الْبَاطِلُ، أن يضربوا مصدر التشريع وحقيقة الحكم، على الأرض، أ ولم يكن هذا التوجّه خاطئاً؟
لقد تذرّعوا برواية لا سند لها أو ضعيفة ورد فيها النهي عن الخوض في الفلسفة، مستغلّين ذلك بنحو خاطئ، وصاروا يدينون كلّ طريق من طرق التفكّر والتعقّل، وذلك لما ورد من نهي عن الفلسفة على حدّ زعمهم.
ألا يقول أحد لهؤلاء: أيّ فلسفة تقصدون؟! هل هي فلسفة المادّيّين والدهريّين والحكماء الذين عاشوا قبل الإسلام من الفرس والمصريّين والهنود واليونانيّين؟ أو أنها فلسفة الإسلام اللامعة المتألّقة ذات العظمة والأبَّهة والجلال؟ أنّ كتب صدر المتألّهين الشيرازيّ رضوان الله عليه تبعث على الفخر والاعتزاز لعالم التشيّع بل وللعالم الإسلاميّ أجمع.
فدراسات هذه العقليّة الجبّارة وتنقيباتها وتدقيقاتها في زوايا الآيات والروايات مفتاح مهمّ لحلّ المشاكل الاساسيّة في طريق المعرفة والتقدّم.
إذَن، ليس من الشهامة والمروءة أن نستبدل الفلسفة بالفلسفة الإسلاميّة في شعوذة نتيجة للتشابه اللفظيّ بينهما، ونصبّ ذلك الشكل المنهيّ عنه في هذا الشكل المقبول والمعروف.
وكم هو بعيدٌ عن الشهامة والمروءة أن ندين أمير المؤمنين بكلمة لا حُكْمَ إلّا للهِ. ونُحاجّ رسول الله ونخاصمه بآيات القرآن التي جاء بها.
كم هو بعيدٌ عن الشهامة والمروءة أن نستغلّ التشابه اللفظيّ للتصوّف والصوفيّة، فنوصد طريق الشهود والوجدان والعرفان ولقاء الله تماماً. وكم هو بعيد عن الشهامة والمروءة أن نوازن بين المدرسة التي تضمّ أمثال السيّد ابن طاووس، والشهيدين، والنراقيّين، والسيّد مهدي بحر العلوم، وابن فَهْد الحلّيّ، والمجلسيّ الأوّل، والسيّد عليّ الشوشتريّ، والشيخ الأنصاريّ، والآخوند الملّا حسين قلي الهمدانيّ، وتلاميذها الذين تزخر بهم، وبين مدرسة تضمّ أمثال الحسن البصريّ، ومحمّد بن المُنكدر، وسفيان الثوريّ وأمثالهم من الذين يظنّون التصوّف طريقاً مستقلًّا وذلك للانفصال عن الأئمّة. وعن طريق كلمة الصوفيّة التي ورد ذمّها في بعض الروايات، نجعل الجميع تحت مهماز هذه الكلمة جهلًا أو عمداً وتجاهلًا من خلال تطبيق هذا العنوان، ونضربهم بسوط الإبعاد والتكفير والتفسيق والكلمات النابية الجارحة والتهم الهوجاء الجوفاء.