كان رسول اللّه ( ص ) كما ذكرنا قد تحرك من المدينة قاصدا أداء المناسك في أوائل ذي القعدة من السنة السادسة ، وقد صدته قريش عن دخول مكة ، واعتبرت ذلك هزيمة لها وإهانة عليها ، وكان صلح الحديبية بعد محاولات ومشاورات بين النبي وقريش بواسطة وفود الطرفين ، وتم الاتفاق أخيرا على المعاهدة ، ومن أهم بنودها ان يزور النبي مكة في العام القادم هو وأصحابه لأداء مناسك الحج بما ادخله الاسلام عليه من التعديلات ، وان لا يعتدي أحد الطرفين على الآخر ، ورجع النبي إلى المدينة وفي طريقه انزل اللّه عليه سورة الفتح فتلاها على المسلمين مستبشرا بنصر اللّه ، وكانت المعاهدة بما اشتملت عليه من البنود والشروط تشكل اعترافا من قريش بوجود الإسلام كدين إلى جانب غيره من الأديان التي كانت يوم ذاك في شبه الجزيرة ، بعد ان كانت قريش قبل ذلك تعتبر محمدا خارجا على جميع الأديان تجب مقاومته والقضاء عليه مهما كانت النتائج .
واطمأن النبي بعد صلح الحديبية إلى حد ما من ناحية قريش والعرب الذين كانوا لا يزالون على الشرك ، واتجه النبي بعد ذلك إلى ارسال دعاته إلى حكام الفرس والرومان وعمان واليمامة وغيرها من البلاد المتاخمة لحدود الحجاز ، ولكنه ظل يراقب اليهود الذين لا يزالون خارج المدينة ويخشى غدرهم ، واليهود أشد من العرب وغيرهم عداوة للاسلام وقد يجدون من الدول المتاخمة لحدود الحجاز من يحركهم ويغريهم بالمساعدة ويذكرهم باخوانهم بني قريظة والنضير وقينقاع الذين أجلاهم النبي من ديارهم وسفك دماءهم ، ومن الصعب ان يطمئن إليهم ويوادعهم كما وادع قريشا في مكة بعد ان جربهم ووجدهم لا يلتزمون بعهد ولا بحلف ، واخذ يعد العدة لغزوهم في حصونهم ومعاقلهم قبل ان يتصلوا بغيرهم من القبائل المعادية للاسلام داخل حدود الحجاز وخارجها . ولم يلبث بالمدينة بعد رجوعه من الحديبية أكثر من شهر كما هو الشائع بين المؤرخين حتى اعلن عن رأيه لأصحابه وامرهم ان يتجهزوا لغزو خيبر في اسرع وقت ممكن ، على أن لا يغزو معه الا من شهد الحديبية ، إلا أن يكون غازيا متطوعا ، كما جاء في بعض المؤلفات في السيرة .
وخرج من المدينة في ألف وستمائة من المسلمين ، واستعمل على المدينة نميلة بن عبد اللّه الليثي ، واعطى الراية لعلي بن أبي طالب كما جاء في رواية ابن هشام في سيرته ، ومضى النبي في طريقه إلى خيبر وقطع المسافة بينها وبين المدينة بثلاثة أيام ودخل إلى مشارفها ليلا فنزل هو وأصحابه بالقرب منها ، ودعا اللّه بالنصر وان يرده إلى المدينة فاتحا غانما .
وفيما الناس يخرجون من بيوتهم مبكرين على عادتهم لمزارعهم ومصالحهم فوجئوا بجيش المسلمين على أبواب مدينتهم فولوا راجعين يصرخون هذا محمد قد جاءكم بأصحابه وأحاط بكم ، فانتبه الناس من نومهم مذعورين واستبشر النبي وقال اللّه أكبر : لقد خربت خيبر إنا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين .
ويبدو من بعض كتب السيرة ان اليهود كانوا يتوقعون هذا الغزو وكانوا على اتصال بغطفان ، وعندما فوجئوا بالمسلمين اتصلوا بها على الفور وطلبوا الاسراع في النجدة .
ويدعي بعض المؤرخين انها هبت لنصرتهم ولكن جيش المسلمين قد حال بينهم وبين ما يريدون .
وفي رواية أخرى ان غطفان بعد ان خرجت لنجدة يهود خيبر سمعوا الصياح في احيائهم فرجعوا مخافة ان يكون جيش المسلمين قد داهم منازلهم واحياءهم . ومهما يكن الحال فلقد كان يهود خيبر من أقوى الطوائف اليهودية في بلاد الحجاز وأكثرهم عددا وعدة وامنعهم حصونا .
ووقف العرب عامة وبخاصة قريش يتطلعون بشوق ولهفة إلى نتائج هذه الغزوة ، ويأملون أن تكون الدائرة فيها على المسلمين ، ويتراهنون على نتائجها ، وتشاور اليهود فيما بينهم واتفقوا أخيرا على القتال فأدخلوا نساءهم وذراريهم وأموالهم حصن الوطيح والسلالم ، وادخلوا ذخائرهم حصن ناعم ودخلت المقاتلة حصن نطاة ، والتقى الجمعان حول هذا الحصن واقتتلوا قتالا شديدا حتى جرح عدد كبير من المسلمين ، واستبسل الفريقان المسلمون يهاجمون وأولئك يدافعون بحماس وضراوة لا مثيل لهما ، وظلوا على ذلك شطرا من النهار وقتل في ذلك اليوم محمود بن مسلمة برحى ألقاها عليه أحد اليهود من أعلى الحصن .
وقال ابن هشام : ان القتال بقي أياما يشتد والرسول يولي القيادة كل يوم رجلا من أصحابه ويرجع خائبا ومضى يقول ويروى عن ابن إسحاق بسنده إلى أبي سلمة بن عمرو الأكوع أنه قال بعث رسول اللّه أبا بكر وبرايته وكانت بيضاء إلى بعض حصون خيبر فرجع ولم يصنع شيئا ، ثم بعث في اليوم الثاني عمر بن الخطاب وكان نصيبه نصيب صاحبه .
وفي رواية الطبري عن أبي بريدة الأسلمي انه لما خرج عمر بن الخطاب بالراية ونهض معه الناس والتقى مع أهل خيبر انكشف عمر وأصحابه ورجعوا إلى رسول اللّه ( ص ) يجبنه أصحابه ويجبنهم وظل القتال مستمرا وكلما اعطى الراية إلى أحد رجع خائبا أو فارا .
ولما بلغ الجهد بالمسلمين ونفد أكثر زادهم قال النبي ( ص ) بصوت رفيع سمعه أكثر المسلمين : واللّه لأعطين الراية غدا رجلا يحب اللّه ورسوله ويحبه اللّه ورسوله ، فتطاولت لها قريش ورجا كل واحد ان يكون صاحب الراية .
وفي رواية ابن كثير في بدايته ونهايته ان عمر بن الخطاب قال : اني ما أحببت الامارة إلا ذلك اليوم وتمنيت ان اعطى الراية بعد ان سمعت ذلك من رسول اللّه وكان علي قد أصيب برمد ، قيل إنه تخلف أياما في المدينة من شدة الوجع ، ولما وجد أن الرمد قد استمر ركب ناقته والتحق بالنبي فوافاه في تلك الساعات الحرجة .
وقيل إنه خرج مع النبي من المدينة وأعطاه الراية كما ذكرنا في أول حديثنا عن هذه الغزوة ، وعلى ذلك يكون الرمد قد اصابه بعد وصوله إلى خيبر .
ومهما يكن الحال فقد استدعاه النبي بعد ان فشل المسلمون في التغلب على اليهود وكان أرمد العين كما اتفقت على ذلك الروايات فمسح بيده الكريمة على عينه وقيل تفل فيها فبرئت من ساعتها ، وقال له خذ الراية ولا تلتفت حتى يفتح اللّه عليك ، فقال له علي ( ع ) : على ما ذا أقاتلهم يا رسول اللّه ؟
قال : قاتلهم حتى يشهدوا ان لا إله الا اللّه واني رسول اللّه فإذا فعلوا ذلك فقد منعوا منك دماءهم ، قال سلمة بن الأكوع فانطلق علي ( ع ) يهرول هرولة ونحن خلفه نتتبع اثره حتى ركز الراية بين حجارة مجتمعة تحت الحصن فاطلع عليه يهودي من رأس الحصن ، وقال من أنت ؟ قال انا علي بن أبي طالب ، قال اليهودي : علوتم وما انزل على موسى وخرج إليه اليهود يتقدمهم ابطالهم وفيهم الحارث أخو مرحب وكان من شجعانهم المعروفين فحمل بمن معه على المسلمين ، فوثب علي ( ع ) وضربه بسيفه فخر صريعا ، ثم كر بأصحابه على اليهود فتفرقوا بين يديه وانخذلوا بعد مقتل الحارث وجماعة منهم وولوا منهزمين إلى داخل الحصن فاستعظم ذلك قائدهم مرحب بعد ان شهد مصرع أخيه وهزيمة من معه ، فخرج من الحصن يتبجح بشجاعته وعليه درعان وقد تقلد بسيفين وتعمم بعمامتين ومعه رمحه وهو يرتجز ويقول :
قد علمت خيبر اني مرحب * شاكي السلاح بطل مجرب
إذا السيوف أقبلت تلتهب * أطعن أحيانا وحينا اضرب
فبرز له علي ( ع ) وهو يقول :
انا الذي سمتني أمي حيدرة * كليث غابات شديد قسورة
أكيلكم بالسيف كيل السندرة
فاختلف هو وعلي ضربتين فضربه علي بسيفه فقد الحجر الذي كان قد ثقبه ووضعه على رأسه مكان البيضة وشق المغفر ورأسه نصفين حتى وصل إلى أضراسه ، وسمع أهل العسكر صوت ضربته ولما ابصر اليهود فارسهم مرحبا ولوا منهزمين واستولى المسلمون على الحصن .
وجاء في سيرة ابن هشام عن ابن إسحاق بسنده إلى أبي رافع مولى رسول اللّه أنه قال : خرجنا مع علي بن أبي طالب حين بعثه رسول اللّه برايته فلما دنا من الحصن خرج إليه أهله فقاتلهم فضربه رجل من اليهود بالسيف فاتقاه بترسه فوقع الترس من يده فتناول بابا كان عند الحصن واخذه بيده مكان الترس ، ولم يزل بيده وهو يقاتل حتى فتح اللّه عليه ثم ألقاه من يده حين فرغ فلقد اجتمعنا ثمانية على أن نقلب ذلك الباب فلم نستطع ، وأضاف إلى ذلك هيكل في كتابه حياة محمد ان عليا بعد ان اخذ الباب بيده مكان الترس ظل يقاتل حتى انهزم اليهود وكانوا قد حفروا خندقا حول الحصن فجعل علي ( ع ) الباب الذي كان بيده قنطرة على الخندق واجتاز المسلمون عليه إلى داخل أبنية الحصن وذلك بعد ان قتل قائدهم الحارث بن أبي زينب .
وقال ابن دحلان في سيرته ان عليا لما ضربه مرحب بالسيف واتقاه بترسه وقع الترس من يده فتناول علي بابا كان عند الحصن وتترس فيه عن نفسه وكان طوله ثمانين شبرا ، وروي عن البيهقي ان عليا انقض على مرحب وضربه على رأسه فاتقى ضربته بترسه فوقع السيف على الترس فقده وشق المغفر والحجر الذي تحته وفلق هامته حتى اخذ السيف في أضراسه كما روى حديث قتل علي لمرحب كل من الطبري وابن سعد في طبقاته وصاحب السيرة الحلبية ، وادعى ان الأخبار متواترة على أن عليا هو القاتل لمرحب .
وقال ابن الأثير ان ذلك هو الصحيح الذي اتفق عليه أهل السير والحديث وجزم به مسلم في صحيحه ، وقال الحاكم في المستدرك : ان الأخبار متواترة بأسانيد كثيرة على أن قاتل مرحب هو أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ( ع ) .
كما جاء في الاستيعاب انه الصحيح الذي عليه أكثر أهل السيرة ورواه ابن كثير في بدايته .
وقال اليعقوبي في تاريخه : ان حصن القموص كان من امنع حصون خيبر وأشدها وهو الحصن الذي كان فيه مرحب ، فقال رسول اللّه : لأدفعن الراية غدا إلى رجل كرار غير فرار يحب اللّه ورسوله ويحبه اللّه ورسوله لا ينصرف حتى يفتح اللّه عليه ، فدفعها إلى علي ( ع ) فقتل مرحبا واقتلع باب الحصن وكان حجرا طوله أربعة اذرع في عرض ذراعين في سمك ذراع فرمى به إلى خلفه ودخل الحصن هو والمسلمون .
كما نص على أن عليا هو الذي قتل مرحبا أبو الفداء في تاريخه وروى حديث تترسه بالباب كما رويناه عن غيره من قبل .
وقد وصف الأستاذ عبد الرحمن الشرقاوي في كتابه محمد رسول الحرية معركة خيبر ومواقف علي فيها والانتصارات الحاسمة التي حققها خلال ساعات قلائل بعد محاولات استمرت عدة أيام من جميع المسلمين لم تغن عنهم شيئا .
فقال : ورأى محمد ان يحشد كل قواه الضاربة لفتح هذا الحصن فاجتماع اليهود فيه يجعلهم أقدر على الفتك بالمسلمين .
وجمع محمد جيشه وامرهم ان يقتحموا الحصن وسلم أبا بكر راية الجيش ، ولكن أبا بكر لم يستطع ان يصنع شيئا ولا ان يقتحم الحصن ، وفي اليوم التالي جعل القيادة لعمر بن الخطاب ، وحارب عمر يومه كله ولكنه لم يستطع ان يقتحم الحصن وظل اليهود على مواقفهم المنيعة يسددون ضرباتهم دون ان يخرج منهم رجل واحد للقتال في السهل المكشوف .
فدعا محمد ( ص ) علي بن أبي طالب وقال له خذ هذه الراية ، فتح اللّه عليك وخلع علي عنه الدرع ليكون خفيف الحركة وطالب رجاله ان يتخففوا من الدروع التي تثقلهم ليكونوا خفافا ، وانصرف وفي ذهنه وصية محمد : انفذ على رسلك حتى تنزل بساحتهم ، تم ادعهم إلى الاسلام فإن لم يطيعوا فقاتلهم فو اللّه لأن يهدي اللّه بك رجلا خير لك من حمر النعم وتقدم علي فدعاهم إلى الاسلام ولكنهم سخروا منه فطالبهم ان يحاربوا المسلمين رجلا لرجل ويبعثوا إليه شجعانهم ليبارزهم هو بنفسه الواحد تلو الآخر وخرج إليه الحارث أحد شجعانهم فصرعه علي ، وخرج إليه رجل آخر فصرعه أيضا .
وإذ ذاك تعالت من المسلمين صيحات السخرية بقوة شجعانهم ، وسأل علي شجعان خيبر ان يبعثوا إليه برجل يثبت في المعركة ، فخرج إليه زعيمهم مرحب وكان هو حقا سيد فرسان خيبر ، ولكنه خرج إلى علي بطيئا في كبرياء وثقة مطمئنة مهيبا ضخما بيده حربة ذات ثلاثة رؤوس وكل جسده الفارع الشاهق في الزرد ، والحديد يغطي رأسه وساقيه وليس في كل بدنه ثغرة ينفذ منها سيف .
وتقدم إليه علي بقامته المعتدلة بلا درع وفي يده السيف وحده وتوقع المسلمون واليهود جميعا انها نهاية علي ( ع ) ، ولكن عليا استطاع ان يحسن الاستفادة من تخففه من الدرع والزرد ، وترك مرحبا يتقدم بدرعه وزرده وحربته حتى إذا أوشك سن الحربة ان يمس صدر علي ( ع ) تراجع علي فجأة ثم قفز في الهواء متفاديا حربة مرحب ، ثم اقتحم واهوى بكل قوته على رأس مرحب بالسيف ، فانفلق الحديد من على رأس مرحب وسقط سيف علي على الجمجمة فشقها نصفين ، وهوى مرحب وسط ذعر اليهود وعجبهم وصيحات النصر ترتفع من معسكر المسلمين .
واندفع علي إلى باب الحصن هو ورجاله يدكونه بكل طاقاتهم حتى اقتحموه ، واليهود الذين اذهلهم موت مرحب يفرون فزعين إلى حصن آخر[1].
وروى السيد مرتضى الفيروزآبادي في كتابه فضائل الخمسة في المجلد الثاني حديث الراية في خيبر بكامله عن صحيحي البخاري ومسلم ، وعن أحمد بن حنبل والنسائي والاستيعاب وكنز العمال والرياض النضرة والترمذي وابن ماجة وغيرهم .
ويبدو من جميع ذلك ان حديث الراية ومواقف علي في خيبر واخذه الباب الذي يعجز عن تحريكه سبعة رجال على أقل التقادير كل ذلك يكاد يكون متفقا عليه بين المؤرخين والمحدثين إذا استثنينا ابن هشام في سيرته فلقد تجاهل موقف علي من مرحب ونسب قتله إلى محمد بن مسلمة ، كما وإن ابن كثير في تاريخه بعد ان ذكر مواقف علي في خيبر وقتله لمرحب ذكر الرواية التي اعتمدها ابن هشام عن سيرة ابن إسحاق ، واعتمد هؤلاء المشككون على رواية موسى بن عقبة المتوفى سنة 145 ه عن الزهري وادعوا انه قد الف كتابا في المغازي اخذه عن الزهري كما اعتمدوا على رواية عبد اللّه بن سهل التي نسبها لجابر بن عبد اللّه ؛ وعبد اللّه بن سهل وابن عقبة كلاهما من المتهمين بين رجال الحديث .
فقد جاء في تهذيب التهذيب لابن حجر ان عبد اللّه بن سهل كانت أكثر مروياته عن عائشة وهي مصدره الوحيد تقريبا[2].
ومن غير المستبعد على موسى بن عقبة ان ينسب الرواية التي تنص على أن محمد بن مسلمة هو القاتل لمرحب لجابر بن عبد اللّه في حين انه قد اخذها عن عائشة ، وموقف السيدة عائشة من علي ( ع ) في جميع ادوارها قد ابرزه التاريخ بنحو لا يمكن تفسيره بغير عدائها الشخصي لعلي وآل علي ، وقد بذلت جهدا كبيرا في اخفاء فضائله ونسبت الكثير منها لغيره .
واما المصدر الثاني لهذه الأسطورة فهو محمد بن شهاب الزهري وقد اسندها موسى بن عقبة إليه ، ومن المعلوم ان الزهري كان عميلا للأمويين ومنحرفا عن علي وآل علي ( ع ) كما أثبتنا ذلك بالأرقام في كتابنا الموضوعات في الآثار والأخبار[3].
على أن الذين ترجموا محمد بن شهاب كابن حجر في تهذيب التهذيب وغيره بالرغم من تقديرهم له ذكروا ان أكثر مروياته من نوع المراسيل ، واكد الإسماعيلي في كتاب العتق ان موسى بن عقبة لم يسمع من الزهري شيئا كما نص على ذلك ابن حجر في المجلد العاشر من تهذيبه وهو يترجم موسى بن عقبة .
وعلى اي الأحوال فهذه الرواية الشاذة لا يمكن ان تثبت في مقابل اجماع المحدثين والمؤرخين القائم على أن القاتل لمرحب هو علي عليه السلام .
ولم أجد من اخذ بهذه الرواية الشاذة من المؤلفين المحدثين سوى هيكل في كتابه حياة محمد فلقد اخذ بها بدون تردد وتجاهل الرواية الثانية المشهورة بين المحدثين والمؤرخين ، وليس ذلك بغريب عليه وعلى أمثاله ممن يحاولون التقليل من أهمية مواقف علي ( ع ) .
وقد أورد الغزالي في كتابه فقه السيرة الروايتين ووضع نفسه في موضع المتردد في صحة أيهما ، والذي أظنه انه لا يتردد هو ولا غيره في صحة الرواية الشائعة ولكن عز عليه ان يتركها لعلي صافية بدون ان يضع في مقابلها ما يثير ولو أدنى مراتب الشك فيها وقد جرى على ذلك في كتابه فقه السيرة فلم يذكر موقفا أو فضيلة لعلي ( ع ) الا حيث لا يرى بديلا لذلك ، فإذا جاء لغيره تجده يحاول بكل الأساليب ان يخلق من العدم شيئا ومن الوهم واقعا ومن الباطل حقا .
ومهما يكن الحال فمواقف علي وأبيه في سبيل الاسلام وتضحياتهما في سبيل محمد ودعوته لم يسبق لها نظير في تاريخ البشرية ولا ينكرها أو يشكك فيها الا الحاقدون على الرسول وآله الكرام .
وجاء في بعض كتب السيرة انه بعد ان قتل علي مرحبا برز اخوه ياسر وكان من فرسان اليهود وابطالهم فبرز إليه علي ( ع ) فألحقه بأخيه ، وفي رواية ثانية ذكرها المؤلفون في السيرة عن هشام بن عروة ان الذي قتله الزبير بن العوام ، وكانت أمه صفية كما يدعي ابن كثير قد خرجت مع المسلمين فلما رأت ولدها قد خرج خافت عليه وجاءت إلى النبي ( ص ) فقالت أيقتل ابني يا رسول اللّه ، فقال لها بل ابنك يقتله فقتله الزبير .
وروى أكثر المؤلفين في السيرة ان عليا ( ع ) بعد ان قتل مرحبا وأخاه استولى الخوف على اليهود فالتجئوا إلى الحصن وأغلقوا بابه وكان منيعا يعرف بحصن القموص وقد حفروا حوله خندقا يتعذر على المسلمين اجتيازه فاقتلع باب الحصن وجعله جسرا فعبر عليه المسلمون ، واستبسلوا بقيادة علي ( ع ) فهاجموا بقية الحصون وتغلبوا على من فيها حتى انتهوا إلى حصن الوطيح والسلالم وكانا آخر حصونهم المنيعة وفيهما الذراري والنساء والأموال .
ولما أحس اليهود بأنه اسقط في أيديهم وان المسلمين سيأسرونهم ويقتلونهم ان هم ظلوا على موقفهم طلبوا الصلح من النبي ( ص ) فأجابهم إلى ذلك بعد ان استولى على أموالهم وابقاهم يعملون في الأرض على أن يكون لهم نصف ثمرها مقابل عملهم ، وكانت صفية بنت حيي بن اخطب مع نسوة اليهود داخل حصن القموص وهي زوجة لكنانة بن الربيع بن أبي الحقيق ، فلما أسرها علي أرسلها مع بلال إلى رسول اللّه ومعها نسوة من قريباتها ، فمر بهن بلال على قتلى اليهود فصاحت إحداهن وحكت وجهها وحثت التراب على رأسها ، ولما علم النبي بذلك قال له : انزعت الرحمة من قلبك تمر بهن على القتلى من رجالهن وأبنائهن ؟
وجاء في سيرة ابن هشام ان كنانة بن الربيع كان عنده كنز بني النضير فطلبه رسول اللّه وسأله عن الكنز فلم يعترف به فجاء رجل من اليهود وقال لرسول اللّه : اني رأيت كنانة بن الربيع يأتي هذه الخربة في كل غداة ولكن كنانة اصر على انكاره ، فأمر الرسول بحفر الخربة فأخرج منها بعض كنوزهم ، وسأله عن الباقي فأبى ان يعترف ، فقال النبي للزبير خذه وعذبه حتى تستأصل ما عنده ، ولما لم يعترف أعطاه النبي ( ص ) إلى محمد بن مسلمة فقتله بأخيه محمود بن مسلمة .
ورجع من الحبشة جعفر بن أبي طالب ومن معه من المسلمين في اليوم الذي تم فيه فتح المسلمين لخيبر ، فتلقاه النبي واحتضنه وقبل ما بين عينيه ، ثم قال واللّه ما أدري بأيهما انا أشد سرورا أبقدوم جعفر أم بفتح خيبر وظهرت عليه علائم الارتياح والانشراح بتلك المفاجأة التي تساوي عنده فتح خيبر أو أكثر من ذلك ، وظن بعض المسلمين ان جعفرا ومن معه من المهاجرين أقل قدرا من أولئك الذين كانوا مع النبي ( ص ) وهاجروا معه واشتركوا في الحروب والغزوات .
فقد جاء في فقه السيرة للغزالي ان أسماء بنت عميس زوجة جعفر بن أبي طالب دخلت على حفصة زوجة النبي ( ص ) تزورها فدخل عمر بن الخطاب على ابنته وأسماء عندها ، فقال لابنته من هذه ، قالت هي أسماء بنت عميس ، فقال الحبشية هذه البحرية هذه ، والتفت إليها قائلا لقد سبقناكم في الهجرة فنحن أحق برسول اللّه منكم ، فغضبت أسماء وقالت كلا واللّه كنتم مع رسول اللّه يطعم جائعكم ويعظ جاهلكم ، وكنا في ارض البغضاء بالحبشة وذلك في اللّه وفي رسوله ، وأيم اللّه لا أطعم طعاما ولا أشرب شرابا حتى اذكر ما قلته لي لرسول اللّه وأسأله عنه ، وإني لا اكذب ولا أزيغ ولا أزيد عليه ، ثم اتت النبي ( ص ) وقالت يا رسول اللّه : ان عمر بن الخطاب يقول كذا وكذا : فقال لها فما قلت له فأخبرته بمقالتها ، فقال ( ص ) : انه ليس بأحق بي منكم وله ولأصحابه هجرة ولكم أهل السفينة هجرتان .
وعد الشيخ الغزالي في فقه السيرة هذا الحديث من الصحاح ، وأضاف ان الشيخين مسلم والبخاري قد اورداه في صحيحيهما .
ويدعي المؤلفون في السيرة والمحدثون ان النبي ( ص ) قد اعطى لجعفر ومن معه من المهاجرين كما اعطى غيرهم ممن اشتركوا في فتح خيبر ، ولم يعط أحدا غيرهم كما جاء في رواية البخاري .
[1] انظر ص 332 و 333 من كتاب الشرقاوي محمد رسول الحرية .
[2] انظر مجلد 12 من تهذيب التهذيب لابن حجر .
[3] انظر الموضوعات في الآثار والاخبار للمؤلف .
الاكثر قراءة في حاله بعد الهجرة
اخر الاخبار
اخبار العتبة العباسية المقدسة