بعد إعلان مولد الحركة الصليبية على يد البابا أوربان الثاني، في كليرمونت، بدأت استعدادات التنفيذ، فقام البابا المذكور بجولات دينية في بلدان الغرب الأوروبي لتعبئة الرأي العام، وكان يعتقد أن جيشاً منظماً تحت رعاية روحية واحدة وقيادة عسكرية موحدة ستكفل للحملة التقدم والنجاح، ولكن دعاته الذين بتهم في أرجاء بلدان أوروبا سمحوا لكل من حمل الصليب بالتوجه إلى الأراضي المقدسة في الشرق فانتابت المجتمعات الأوروبية، نتيجة ذلك، موجات عارمة من الحماس الديني أسفرت عن قيام حملة الشعوب أو العامة وضمت تشكيلة منوعة من فئات مختلفة من فرنسا وإيطاليا وألمانيا.
واحتشد الآلاف من فقراء الرجال والنساء وقطاع الطرق واللصوص والغوغاء الذين لم يكن لهم أي وازع ديني أو أي علم بفنون القتال، وانضم إليهم بعض صغار النبلاء ممن كانت تدفعهم المطامع الشخصية الدنيوية.
خرجت الحملة الشعبية على شكل مجموعات عدة تحت زعامة أشخاص عديدين أمثال غوتييه وبطرس الناسك ووالتر المفلس وغيرهم، واصطدموا أثناء تقدمهم بشعوب البلدان التي مروا بها في بافاريا والمجر وبلغاريا، وبخاصة النصارى الأرثوذكس المخالفين لهم في المذهب واليهود الذين اشتهروا بمعاملاتهم المالية المتعسفة التي طالت مختلف فئات المجتمع الأوروبي، وقاموا بأعمال السرقة والسلب والقتل وحرق المدن ولم تنج ضواحي القسطنطينية من تعدياتهم ما حمل الامبراطور البيزنطي ألكسيوس كومنين على نقلهم بسرعة إلى آسيا الصغرى مدركاً، بما له من خبرة وتجربة أن هذا الجمع الصليبي غير المنظم لا يثير الخوف في النفوس، وأنه إذا عبر المضيق إلى آسيا الصغرى فسوف يُدمره سلاجقة الروم. وفعلاً اصطدم هؤلاء بهم بقيادة السلطان قلج أرسلان الأول (485 - 500هـ / 1092 - 1107م) وأبادوهم، ولم ينج منهم سوى ثلاثة آلاف من أصل عشرين ألفاً (1).
بعد قيام الحملة الشعبية، كانت الاستعدادات تجري في الغرب الأوروبي لتحرك الجيوش النظامية باتجاه الشرق وقوامها الأمراء الإقطاعيون من فرنسا وإيطاليا ونورمنديا، وطبيعي أن يكون أفراد هذه الحملة أكثر تقديراً لخطة سيرهم بعد الاستعدادات بالسلاح والأموال والرجال والعتاد والاتصال مسبقاً بأمراء وحكام النواحي الذين سيمرون في أراضيهم حتى يمدوا لهم يد المساعدة.
تكونت حملة الأمراء من أربعة جيوش نظامية هي:
- القوات النورماندية، بقيادة بوهيموند وابن أخته تا نکرد.
- القوات البروفنسالية بقيادة ريموند الرابع، كونت تولوز.
- القوات الفرنسية بقيادة إتيان، كونت بلوا، وهيو، كونت نرماندوا، وهو الابن الأصغر لهنري الأول ملك فرنسا، وروبرت الثاني، كونت فلاندر.
قوات اللورين السفلى بقيادة غودفري دي بوايون، دوق اللورين وأخوه بلدوين (2).
سلكت هذه الجيوش أربعة طرق مختلفة، لكنها اتفقت على الالتقاء عند أسوار القسطنطينية، وبلغ عدد أفرادها ثلاثين ألف مقاتل وبعد مباحثات مضنية مع الامبراطور البيزنطي تمَّ نقلهم إلى آسيا الصغرى والواقع أن ألكسيوس كومنين اشترط عليهم في مقابل مساعدته لهم بأن يُعطى له كل الأراضي التي سيتم الاستيلاء عليها من السلاجقة والتي كانت تابعة للإمبراطورية من قبل (3).
...........................................................
(1) رنسیمان، سيتفن: تاريخ الحروب الصليبية: جـ1 ص201 - 206.
= Albirt d'Aix: Liber Christianne Expedition Pro Eroptione et Restione Sameta Hiero sol vritanae Ecclesia in: R.H.C, occ, IV pp 283, 284.
(2) الصوري وليم تاريخ الحروب الصليبية، وهو تعريب لكتاب: تاريخ الأعمال المنجزة فيما وراء البحار، ج 1 ص 195 - 225.
(3) رنسیمان ج1 ص 233