تعد سنة (447 هـ / (1055م) فاصلة في تاريخ الدولة البويهية وانعطافة كبرى في تاريخ الخلافة العباسية التي انتقلت من عصر إلى عصر، ففي تلك السنة قطع فولاذ، أحد قادة الديلم وحاكم شيراز الخطبة لطغرلبك وخطب للملك الرحيم البويهي آخر الملوك البويهيين (1).
عد طغرلبك هذا التصرف بمثابة انقلاب على الوجود السلجوقي في إيران، وخطراً يُهدد دولته الناشئة ما دفعه إلى التحرك لإزالته من خلال القضاء على البويهيين في إيران والعراق، فاستغل تردي الأوضاع في هذا البلد وتحرك باتجاهه، فدخل همذان في محرم ( 447 هـ نيسان 1055م)، مظهراً أنه يريد الحج وإصلاح طرق مكة والمسير إلى الشام ومصر للقضاء على الدولة الفاطمية، وهذا تدبير تمويهي بطبيعة الحال، وعندما وصل إلى النهروان (2) أرسل رسالة إلى الخليفة القائم يُعلن فيها ولاءه وطاعته ويستأذنه في دخول بغداد، فأذن له، وسلكت الجيوش السلجوقية طريق حلوان المؤدي مباشرة إلى قلب العراق.
انتشر خبر الزحف السلجوقي بين العامة في بغداد بسرعة ملفتة، وكان الملك الرحيم في وضع صعب لا يسمح له بمقاومة الزحف السلجوقي والتصدي للسلاجقة، لذلك آثر التفاهم مع الخليفة في كيفية التعاون مع طغرلبك، والراجح أنه جرى اتفاق بين الرجلين على وجوب التعاون مع الزعيم السلجوقي، ومعنى هذا أن البويهيين ارتضوا أن يكونوا تابعين للسلاجقة مع ضمان بقائهم.
وخرج الوزير رئيس الرؤساء علي بن الحسين بن أحمد بن المسلمة لاستقبال طغرلبك في موكب عظيم ضمَّ القضاة والنقباء والأشراف والشهود والخدم وأعيان الدولة والأمراء من عسكر الملك الرحيم، فلما علم طغرلبك بهم أرسل إلى طريقهم الأمراء ووزيره أبا نصر الكندري، فلما وصل رئيس الرؤساء اجتمع بالسلطان السلجوقي، وأبلغه رسالة الخليفة واستحلفه للخليفة وللملك الرحيم وأمراء الأجناد. ودخل طغرلبك بغداد يوم الاثنين (25 رمضان 447هـ / 18 كانون الأول 1055م) ونزل بباب الشماسية، ووصل إليه قريش بن بدران صاحب الموصل، وكان في طاعته (3)، وتدل هذه المظاهر على أن دخول طغرلبك إلى بغداد إنما اتخذ شكل حملة عسكرية، لكن الحقيقة كان الدخول عبارة عن موكب مهيب حضره وجوه القوم من الطرفين. واعترف الخليفة بطغرلبك سلطاناً على جميع المناطق التي كانت بحوزته وتحت يده، وأمر بأن يُذكر اسمه في الخطبة وأن يكون لقبه السلطان ركن الدولة أبو طالب طغرلبك محمد بن ميكائيل يمين أمير المؤمنين على أن يذكر بعد اسمه اسم الملك الرحيم أبو نصر بن أبي كاليجار سلطان الدولة البويهية (4). وهكذا تحقق للسلاجقة ما كانوا يطمحون إليه، فقد جاوروا الخلافة العباسية رمزهم الديني وجعلوا من الدولة البويهية دولة تابعة لهم، ودخل طغرلبك بغداد دخول الفاتحين، كما دخل العراق ضمن دائرة نفوذهم.
................................................
(1) ابن الأثير: جـ 8 ص 122
(2) النهروان كورة واسعة بين بغداد وواسط من الجانب الشرقي، حدها الأعلى متصل ببغداد. الحموي: جـه ص 324 - 325
(3) الراوندي: ص 169. الحسيني: ص 19 ابن الأثير: جـ 8 ص 126، 0127
(4) الراوندي: المصدر نفسه.