0

بمختلف الألوان
(نحن أمواج من ذات البحر) بضع كلمات كتبت على صناديق مفردات طبية أرسلها الصينيون لإيطاليا لتساعدهم على مصارعة وباء بات يضرب بالكثير من بقاع الأرض. ولعل هذا الموقف جاء مماثلاً للمبادرة (الإنسانية) التي جسدها اليابانيون حين أرسلوا مواد طبية الى الصين لحظة تفشي الوباء عندهم، كتبوا على صناديقها بيتاً من... المزيد
أخر المواضيع


مرحبا بكَ زائرنا العزيز
نتمنى أن تكون في تمام الصحة والعافية

تحذير! هل انت متأكد من حذف هذا المقال مع الردود عليه ؟
تداعيات أزمة الدولار على الطبقات الهشة

منذ 4 ساعات
في 2026/10/09م
عدد المشاهدات :46

حسن الهاشمي
حين تضطرب أسعار الدولار، لا تبقى الأزمة محصورة في أروقة المصارف وشاشات البورصة، بل سرعان ما تعبر إلى الأسواق والبيوت، فتتحول من قضية نقدية ومالية إلى قضية معيشية تمسّ حياة المواطن، ولا سيما الفقير ومحدود الدخل.
قد تلجأ الحكومة، في مواجهة الضغوط المالية والاقتصادية، إلى سياسات نقدية ومالية تراها ضرورية لتوفير السيولة، وتنظيم حركة العملة الأجنبية، والمحافظة على الاستقرار المالي، وقد يكون لهذه الإجراءات ما يبررها من الناحية الاقتصادية والإدارية، فالدولة مسؤولة عن حماية النظام المالي، ومنع الفوضى النقدية، وضمان قدرة المؤسسات على الوفاء بالتزاماتها.
غير أن التبرير الاقتصادي لا يلغي الأثر الاجتماعي؛ فالإجراء الذي قد يبدو ضرورياً في الحسابات المالية، قد يكون ثقيلاً في ميزان الأسرة الفقيرة، فالمواطن محدود الدخل لا يتعامل مع الدولار بوصفه مؤشراً نقدياً، وإنما يلمس أثره في سعر الغذاء والدواء والنقل والإيجار وسائر الحاجات اليومية، وإذا ارتفعت الأسعار بينما بقي الدخل ثابتاً، فإن الفقير يدفع الفرق من قوته وصحة أسرته واحتياجات أطفاله.
وكما قال تعالى: (كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنكُمْ) الحشر: 7. وهي من أهم الآيات في الموضوع؛ لأنها تؤسس لمبدأ عدم انحصار الثروة وتداولها في دائرة الأغنياء، ويمكن توظيفها في الحديث عن ضرورة أن تراعي السياسات الاقتصادية لفئات محدودة الدخل، وهنا تظهر المفارقة المؤلمة: الحكومة تنظر إلى السيولة من زاوية استقرار الدولة، بينما ينظر الفقير إلى مورد رزقه من زاوية استقرار حياته، وبين النظرتين مساحة ينبغي أن تملأها العدالة الاجتماعية؛ لأن نجاح السياسة الاقتصادية لا يكتمل بمجرد تحقيق هدف مالي إذا كان ثمن ذلك يقع بصورة أكبر على الفئات التي لا تملك القدرة على الاحتمال.
بين ضرورة الدولة وحق الفقير
ليس من العدل أن تُفهم حاجة الدولة إلى إدارة السيولة وكأنها في مواجهة مع الفقير، كما أنه ليس من المنصف أن يُطلب من الفقير وحده دفع ثمن الإصلاح الاقتصادي، فالدولة تحتاج إلى استقرار مالي ونقدي، لكن المواطن يحتاج في الوقت نفسه إلى استقرار معيشي.
وبين الاستقرارين مساحة ينبغي أن تتحرك فيها السياسات العامة بحذر؛ بحيث لا تكون معالجة الاختلالات النقدية سبباً في زيادة هشاشة الفئات التي لا تملك قدرة على امتصاص الصدمات، وهنا تبرز أهمية أن ترافق الإجراءات النقدية والمالية سياسات حماية اجتماعية حقيقية: ضبط الأسواق، منع استغلال فروق الصرف للمضاربة ورفع الأسعار بلا مبرر، دعم الفئات الأكثر تضرراً، تحسين الاستهداف في برامج الرعاية الاجتماعية، ومراقبة سلاسل الاستيراد والتوزيع.
الفقير لا ينبغي أن يكون صمام أمان للاقتصاد
إن الإصلاح الاقتصادي قد يفرض أحياناً إجراءات صعبة، لكن العدالة تقتضي أن تتوزع كلف الإصلاح بصورة متوازنة، وألا يقع العبء الأكبر على من يملك أقل قدرة على تحمله، فالفقير ليس رقماً هامشياً في المعادلة الاقتصادية، وإنما هو الإنسان الذي ينبغي أن تكون السياسات الاقتصادية في النهاية في خدمته.
وقد أعلن البنك المركزي في 7 تشرين الأول 2026 تعديل سعر الصرف إلى 1500 دينار للدولار عند الشراء من وزارة المالية، و1510 عند البيع للمصارف، و1520 للدولار النقدي للجمهور، مقدماً ذلك في إطار رؤية تستهدف دعم المنتج الوطني والصناعة المحلية وتحفيز الاستثمار وخلق فرص العمل.
وهذه الأهداف الاقتصادية يمكن أن تكون ذات أثر إيجابي على المدى الأبعد إذا تحولت إلى إنتاج وفرص عمل ودخل حقيقي، لكن المعيار الاجتماعي يظل حاضراً: ماذا يحدث للأسرة محدودة الدخل في الفترة التي تسبق تحقق تلك النتائج؟ ومن يحمي قدرتها الشرائية خلالها؟
أزمة الدولار… حين يدفع الفقراء ثمن اضطراب السوق
ليست أزمة الدولار في العراق مجرد أرقام تتبدّل على شاشات الصيرفات، ولا فرقاً بين سعرٍ رسمي وآخر في السوق؛ فهي حين تمتدّ إلى الأسواق والمنازل تتحول إلى أزمة تمسّ لقمة العيش، وتثقل كاهل الطبقات الهشّة التي لا تملك مدّخرات تحميها من تقلّبات الأسعار، ولا دخلاً إضافياً يعوّض ما تفقده قدرتها الشرائية.
فالأسرة محدودة الدخل لا تنظر إلى الدولار بوصفه عملة أجنبية، وإنما تراه في سعر الغذاء والدواء والملابس والإيجار والنقل، وكلما ارتفعت كلفة الاستيراد أو اضطربت أسعار الصرف، تسلّل أثر ذلك إلى تفاصيل الحياة اليومية، فأصبح الراتب الذي كان يكفي حاجات الأسرة بالأمس عاجزاً عن تغطية ضروراتها اليوم.
وتتضاعف قسوة الأزمة على الفئات الهشّة؛ لأن محدود الدخل ينفق الجزء الأكبر من دخله على الضروريات، فلا يملك مساحة واسعة للمناورة أو تقليل الإنفاق، فإذا ارتفع سعر الغذاء، لا يستطيع الاستغناء عنه، وإذا زادت كلفة الدواء، لا يستطيع تأجيل المرض، وإذا ارتفعت أجور النقل، لا يستطيع أن يتوقف عن الذهاب إلى عمله، وهكذا يجد نفسه أمام معادلة قاسية: دخل ثابت في مواجهة نفقات متحركة.
أما العامل اليومي وصاحب الدخل غير المنتظم، فهو أكثر تعرضاً لرياح السوق؛ لأن دخله قد لا يرتفع مع ارتفاع الأسعار، ورب الأسرة الذي يقف كل صباح بحثاً عن فرصة عمل، أو الموظف الذي ينتظر راتبه في نهاية الشهر، أو الأرملة التي تعيل أبناءها، أو المتقاعد الذي يعتمد على راتب محدود، جميعهم يدفعون ثمناً اجتماعياً مباشراً لأي اضطراب اقتصادي لا يملكون أدوات مواجهته.
ولأزمة الدولار تداعيات تتجاوز ارتفاع الأسعار؛ إذ يمكن أن تدفع بعض الأسر إلى تقليص الإنفاق على التعليم والصحة والغذاء الجيد، أو الاستدانة لتغطية الحاجات الأساسية، الأمر الذي يجعل الفقر دائرةً يصعب الخروج منها، فالفقر ليس دائماً انعدام المال، بل قد يكون أيضاً فقدان القدرة على مواجهة الطوارئ، والعجز عن حماية الأسرة من صدمات الحياة، وثمة رواية مهمة في منع الإضرار الاقتصادي، عن رسول الله (صلى الله عليه وآله): (لا ضرر ولا ضرار في الإسلام) الكافي للكليني، ج5، ص292، باب الضرار، ح2. وهي قاعدة واسعة جداً في الفقه الإسلامي، ويمكن تطبيقها على صور متعددة من التعامل الاقتصادي التي يترتب عليها إضرار بالناس.
الموازنة بين سعر الصرف وحياة المواطن
ومن هنا تبرز مسؤولية الدولة في أن لا تُقاس المعالجة الاقتصادية بمؤشرات السوق وحدها، بل بما تتركه السياسات المالية والنقدية في حياة الإنسان، فاستقرار سعر الصرف، وضبط الأسواق، ومكافحة الاحتكار والمضاربة، وحماية المستهلك، ودعم السلع الضرورية، كلها إجراءات لا ينبغي النظر إليها بوصفها مسائل مالية مجردة، وإنما باعتبارها جزءاً من العدالة الاجتماعية وحماية الكرامة الإنسانية.
كما أن مواجهة تداعيات الأزمة تحتاج إلى شبكة أمان اجتماعي فعّالة تصل إلى مستحقيها، وتمنع انتقال الأسر الهشّة من العوز المؤقت إلى الفقر المزمن، فالمساعدة الاجتماعية ليست ترفاً في أوقات الأزمات، بل هي جسر يحول دون سقوط الفئات الضعيفة في هاوية لا تستطيع النهوض منها بسهولة.
وفي المجتمع، تبرز أيضاً قيمة التكافل؛ فحين تضيق الحياة بالناس، تصبح الصدقة والإحسان وإغاثة المحتاجين من أهم صور التضامن الاجتماعي، وليس المقصود أن يحلّ التكافل الأهلي محل مسؤولية الدولة، بل أن تتكامل المسؤوليات: الدولة تحمي الاقتصاد والحقوق، والمجتمع يحفظ روح التكافل، والقادر يمدّ يده إلى من أثقلته الحاجة.
إن أخطر ما في الأزمات الاقتصادية أنها قد تجعل الإنسان رقماً في جداول التضخم وأسعار الصرف، بينما الحقيقة أن وراء كل رقم أسرةً تحاول أن تدبّر قوت يومها، وطفلاً يحتاج إلى مستلزمات مدرسته، ومريضاً ينتظر دواءه، وأباً يخفي قلقه عن أبنائه كي لا يشعروا بضيق الحال.
لذلك فإن معالجة أزمة الدولار لا ينبغي أن تتوقف عند سؤال: كيف نحافظ على استقرار العملة؟ بل يجب أن تمتد إلى سؤال أكثر إنسانية: كيف نحمي الإنسان من أن يتحول اضطراب العملة إلى اضطراب في حياته وكرامته ومستقبل أسرته؟
الإمام علي (عليه السلام) يقول: (اللهَ اللهَ في الطبقةِ السفلى من الذين لا حيلةَ لهم، من المساكين والمحتاجين وأهل البؤسى والزمنى، فإنَّ في هذه الطبقةِ قانعاً ومعتراً، واحفظ لله ما استحفظك من حقّه فيهم) وهذه من أوضح النصوص في رعاية الطبقات الهشّة، وقد وردت في وصيته لمالك الأشتر في نهج البلاغة.
فاستقرار الاقتصاد الحقيقي لا يُقاس فقط باستقرار سعر الصرف، وإنما بقدرة المواطن على أن يعيش بطمأنينة، وأن يحصل على حاجاته الأساسية، وأن يرى في دخله وسيلةً لحياة كريمة لا مجرد رقم يتآكل أمام ارتفاع الأسعار، وحين تكون الطبقات الهشّة هي أول من يتأذى من الأزمة، فإن حماية هذه الطبقات ينبغي أن تكون أول معيار لنجاح المعالجة الاقتصادية.
كرامة الانسان أولا
أزمة الدولار ليست مجرد صراع بين سعر رسمي وسعر سوق، ولا مجرد معادلة بين السيولة والاحتياطيات؛ إنها في وجهها الآخر اختبار لمدى قدرة الاقتصاد على حماية الإنسان.
فإذا كانت الدولة تنظر إلى الدولار من زاوية السيولة والاستقرار المالي، فإن الفقير ينظر إليه من زاوية قوت يومه ودوائه وحاجات أسرته، وبين النظرتين ينبغي أن تقوم سياسة اقتصادية واعية لا تكتفي بالحفاظ على توازن الأرقام، وإنما تسعى إلى الحفاظ على كرامة الإنسان وقدرته على العيش، وكما قال الإمام علي (عليه السلام): (إنَّ اللهَ سبحانه فرضَ في أموالِ الأغنياءِ أقواتَ الفقراءِ، فما جاعَ فقيرٌ إلّا بما مُتِّعَ به غنيٌّ، واللهُ تعالى سائلُهم عن ذلك) نهج البلاغة، حكم الإمام علي (عليه السلام)، الحكمة رقم 328. وهذه الرواية تصلح أساساً قوياً لفكرة أن المال ليس شأناً فردياً محضاً عندما يؤدي اختلال توزيعه إلى حرمان الفقراء.
إن توفير السيولة ضرورة، واستقرار النظام المالي ضرورة، وتمويل التجارة ضرورة؛ لكن حماية الفقير من آثار الأزمات ضرورة أخلاقية واجتماعية واقتصادية كذلك.
فالاقتصاد الذي يستقر في دفاتر الحسابات بينما تضيق الحياة على أضعف فئاته يحتاج إلى أن يُنظر إليه من زاوية أوسع؛ لأن قيمة الاستقرار الاقتصادي الحقيقية تظهر حين يشعر بها المواطن في سوقه وبيته، لا حين تُقرأ فقط في البيانات الرسمية، ومن كلام أمير المؤمنين (عليه السلام) لمالك الأشتر: (وأشعر قلبك الرحمة للرعية، والمحبة لهم، واللطف بهم، ولا تكوننَّ عليهم سبعاً ضارياً تغتنم أكلهم) نهج البلاغة، الكتاب رقم 53. الإدارة الاقتصادية لا ينبغي أن تنظر إلى المواطن بوصفه رقماً في ميزان المدفوعات، وإنما بوصفه إنساناً له حق في الكرامة والعيش الرغيد.


اعضاء معجبون بهذا

التنسيق بين السياسة المالية والنقدية في مواجهة تداعيات ارتفاع سعر صرف الدولار في العراق
بقلم الكاتب : د. ضياء احمد حسين
لمواجهة الأسباب الفعلية للأزمة الاقتصادية والحد من تداعياتها تبرز ضرورة تبني سياسات اقتصادية متكاملة قادرة على معالجة الاختلالات التي تنعكس بصورة مباشرة على مستوى معيشة المواطن العراقي إذ إن آثار سياسات (الجهات الحكومية) و ( البنك المركزي) الاقتصادية لا تقتصر على الآثار الآنية وإنما قد تمتد لفترات... المزيد
المزيد من المقالات الإجتماعية

المزيد من المقالات الثقافية

في صباحٍ بغداديٍّ مثقلٍ برائحة الغبار والدخان، دخل إلى دار الأستاذ هشام طفلٌ لا... المزيد
شعّت الأكوان مُذ بانَ الحَسَن وأُزيحَ الهـــمّ منهــــا والشَّــــجَن ... المزيد
كانت غرفته في الفندق تشبه عمرًا منسيًا؛ جدران باهتة، أثاث متهالك، سرير يئنّ كلما... المزيد
لم يرغبوا في إيقاظها اليوم كما أشار عليهم خالهم، علّها تستغرق في النوم كي ترتاح... المزيد
في غياهبِ تلكَ الناحيةِ العتيقة، كان يربضُ "البيتُ العظيم"؛ صرحٌ باذخٌ يمتدُّ على... المزيد
لم يكن السكون في تلك الغرفة الخشبية الضيقة هدوءًا عاديًا، بل كان وزنًا هائلًا... المزيد
قالَ له: - لماذا لا تحضر مجالس الإمام الحسين عليه السلام .. لقد ذُكـرت في المحاضرة روايات كثيرة...
في آخر الزقاق، حيث تنتهي أصوات الدنيا وتتلاشى، كان منزل سليم واقفًا كجلمود صخر، يتقشّر...
على مقعد خشبّي عتيق في زاوية مخفية من "مقهى الأسطورة"، جلس الأربعيني يلوذ بصمتِ الجدران. كان...
الواحد هو مفتتح العدد (واحد، اثنان، ثلاثة)، ويدل على التفرّد مع إمكانية وجود ثانٍ من جنسه...


منذ 3 ايام
2026/10/06
يُعد خزن مياه الأمطار من الأساليب المهمة في استثمار الموارد المائية، لأنه يسمح...
منذ 3 ايام
2026/10/06
الأرق ليس مجرد عدم القدرة على النوم، بل هو حالة تتداخل فيها الكيمياء العصبية مع...
منذ اسبوعين
2026/09/28
سلسلة مفاهيم في الفيزياء الجزء مائة وثمانية عشر: مبدأ التكافؤ الضعيف: من سقوط...