سر التوكل... ولماذا يستوجب بذل السبب والسعي؟
زيد علي كريم
من فلسفة الحياة ونجاحها هو التوكل على الله في كل الأمور، فالبعض يدَّعي أنه من المتوكلين ويترك الأسباب ، فتراه نائما ويطلب من الله الرزق، وآخر لا يقرأ ويدعو النجاح...، وهذا لا يمكن أن يتحقق من دون السعي إليه قلبا وجوارحا ، قال الله تعالى : {وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَد جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا}.
واروع ما قيل في مريم عليها السلام نموذجاً أسمى في التوكل والإيمان، وقد اصطفاها الله تعالى على نساء عالمها، وثقتها المطلقة بالله، ومع ذلك كله أمرها بهز جذع النخلة وهي في حالة ضعف شديد بعد الولادة، يعلمنا الله أن التوكل الحقيقي لا يعني ترك العمل، بل يستوجب بذل السبب والسعي بقدر الطاقة، حتى لو كان الجهد رمزياً، ليأتي العطاء الإلهي والرزق بعدها بلا عناء، وتتساقط الرطب جنياً بقدرة الله .
وأيضا نبي الله موسى من المتوكلين ، ومع ذلك اتخذ الأسباب في مواقف كثيرة، ليبين لقومه إن إتخاذ الأسباب لا ينافي التوكل ، فأمره الله بضرب البحر بعصاه ، حيث انشق البحر فور الضرب {فانفلق فكان كل فرق كالطود العظيم}. أدى هذا الإعجاز إلى نجاة موسى وقومه وغرق فرعون وجنوده، في لحظة فارقة أثبتت أن نصر الله يأتي حين ينقطع أمل البشر...
فالاقتداء بالأنبياء والصالحين في التوكل وللتعرف على سيرهم يعزز فهم أثر التوكل في القوة النفسية والمجتمعية.
انظر أيها القارئ الكريم حال الطير التي تكفل الله برزقها، لم تبق في عشها تنتظر أن يأتيها الرزق، بل خرجت في الصباح الباكر جائعة تبحث عن رزقها فحقق الله لها مرادها، وجعلها تعود إلى أعشاشها وقد شبعت.
وقال النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم:
( لو أنكم توكلتم على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير تغدو خماصًا وتروح بطانًا)، هذا الحديث الشريف يوضح أن التوكل على الله يجلب الرزق، ويزيد الطمأنينة، ويجعل النفس مطمئنة، والقلب مطمئناً، والسلوك هادفاً ومسؤولاً.
والحق أن المتوكل حقيقة هو من فوض أمره إلى الله، فإن كانت هنالك أسباب مشروعة، فعلها انقيادا للشرع، وإن لم تكن هناك أسباب مشروعة، اكتفى بالتوكل على الله وحده .
وهذا يسمى بالتوكل الحقيقي وهو الجمع بين السعي (الجوارح) والتوكل (القلب).
أما التوكل المعنوي فهو أعلى درجات التفويض، حيث لا يثق العبد إلا بتقدير الله، ولا يرى النفع والضرر إلا منه، وهو عمل قلبي أصيل لا ينافي اتخاذ الأسباب الظاهرة (الجوارح)، ويمثل نصف الدين، بينما النصف الآخر هو الإنابة، مثل العلاقة بين الابن ووالدته، وهي علاقة عجيبة غريبة، فأنه كان في بطنها، وسهرت عليه وهو طفل صغير في الرعاية والعناية، وهذا لا يناله إلا الصالحين .
فلنحرص على المداومة على التوكل، والاعتماد على الله في كل الأمور، والعمل الصالح والاجتهاد، ومساعدة الآخرين، فتصبح حياتنا رحلة نور دائم، وسكينة للروح، وسعادة للقلب، وتقربا مستمرا من الله، وبركة تمتد للفرد والمجتمع.







د.فاضل حسن شريف
منذ ساعتين
هكذا انحنى التأريخ لعلي بن أبي طالب عليه السلام
وعي الاستذكار وضرورة الاعتبار
أم البنين .. صانعة الوفاء وراعية الفضيلة
EN