Logo

بمختلف الألوان
في وطنٍ تئنُّ روحه من ثِقل الأيام، وتتوقُّ أجياله إلى فجرٍ يمحو ظلام اليأس، انبعث نورٌ من قلب مدينة مقدسة، نورٌ يملأ الوطن ضياءً، وأيدٍ أمينة تعانق آماله واحلامه. سطع نور العتبة العباسية المقدسة، التي لطالما كانت مَوئِلاً للعلم والمعرفة، لتتجاوز دورها الديني وتصبح حاضنة حقيقية للطاقات الشابة،... المزيد
أخر المواضيع


مرحبا بكَ زائرنا العزيز
نتمنى أن تكون في تمام الصحة والعافية

تحذير! هل انت متأكد من حذف هذا المقال مع الردود عليه ؟
من الطنطل إلى جلجامش: الذاكرة الرافدينية في المثل العراقي

منذ 3 شهور
في 2025/12/03م
عدد المشاهدات :641
من الطنطل إلى جلجامش: الذاكرة الرافدينية في المثل العراقي
الأستاذ الدكتور نوري حسين نور الهاشمي
2/12/2025
من بين طيات الذاكرة العراقية، التي تمتدّ من ألواح سومر الأولى إلى حكايات الجدّات في ليالي الشتاء، تتشكّل الأمثال بوصفها شظايا حيّة من تاريخ طويل. ليست الأمثال مجرد كلمات تتداولها الألسن، بل مرايا صغيرة تعكس ما ورثه العراقي من خوفه الأول، وحكمته الأولى، وصراعه القديم مع قوى الطبيعة والليل والغياب. وفي مثل حِديدة عن الطنطل تتجاور البساطة الشعبية مع جذور أسطورية ضاربة في عمق الرافدين، حيث لم يكن الإنسان يرى في الظلّ ظلاً فقط، بل كائنًا قديمًا خرج من عتمة العالم السفلي. هكذا يغدو المثل العراقي بوابة إلى الماضي السومري والبابلي والأكدي، وإلى ما ظلّ من تلك الحضارات في روح الناس حتى اليوم.
تبدو الأمثال الشعبية كأنها أطياف تعبر الأزمنة، لا تأتي من اللحظة الراهنة وحدها، بل من عمق طبقات حضارية رسخت جذورها في السهل الرافديني منذ أن خطّ السومريون أول حرف على ألواح الطين. هذه الأمثال ليست مجرد كلام يقال عند الحاجة، ولا صورًا لغوية تثير الضحك أو الحكمة فحسب؛ إنها البقايا الحيّة لوعيٍ عام تشكّل عبر آلاف السنين، من أساطير الليل الأولى إلى يوميات الريف والمدن الحديثة. وحين نسمع اليوم مثل حِديدة عن الطنطل، فنحن في الواقع نستعيد مشهدًا كاملاً من تاريخ العلاقة بين الإنسان العراقي والخوف، بين الأداة الضعيفة والقوة الغامضة، بين إرث الأسطورة وواقع الحياة.
فالطنطل، في المخيال الشعبي، هو ظلّ غامض ينتظر عند أطراف العتمة. لكنه في عمق المعنى ليس كائنًا جديدًا، بل امتداد رمزي لكائنات الليل الرافدينية التي عرفها السومريون والبابليون. تحدّث الأقدمون عن أرواح مثل غَلُّو وليليتو وأرواح الريح، وعن كائنات تظهر عند الفجر أو في العتمات، تهدّد المسافر والفلاح والمرأة الحامل. كانوا يرسمونها بأطراف طويلة أو وجوه غامضة، ويمنحونها حضورًا يُمكّن الإنسان من الحديث عن خوفه دون أن ينهار أمامه. وفي المقابل ابتكروا أدوات بسيطة تمائم معدنية، قطع برونزية، أو أشكال صغيرة تُعلَّق على الأبواب لإبعاد شرّها. كانت تلك الحلية الصغيرة تخلق وهم الحماية، تمامًا كما يخلق الطفل اليوم وهم الشجاعة بحمل حديدة في يده وهو يعبر الظلام.
إن هذا الامتداد ليس صدفة. فالريف العراقي، قبل الكهرباء وقبل أن تغيب السماء خلف ضوء المدن، كان أقرب في روحه إلى عالم الأوائل. الليل فيه كثيف، يسير على قدمين، ويختلط فيه صوت القصب مع دوي الريح وصدى الماء. وفي هذا المشهد تتعايش الخرافة مع الحقيقة، والخوف مع الحاجة إلى تفسير ما لا يمكن تفسيره. لذلك كانت شخصيات مثل الطنطل والسعلوة وأم الصبيان ليست مجرد اختراعات متأخرة، بل إعادة إنتاج لأساطير الرافدين، نُزعت عنها أسماء الآلهة وبقيت رموزها. أما الحديدة التي يحملها الصغير، فهي بقايا تلك التميمة القديمة التي لا تملك مواجهة الخطر، لكنها تمنح صاحبها شجاعة كافية ليواصل السير.
من هنا نشأ المثل حِديدة عن الطنطل. ليس وصفًا لعجز فحسب، بل تعبيرًا عن مفارقة الإنسان أمام المجهول. إنه يختصر اللحظة التي يجد فيها شخص نفسه في مواجهة أكبر من قدرته، فيلجأ إلى ما يملك مهما كان بسيطًا ثم يدرك أن ما يملكه لا يكفي. وفي هذا المعنى يشبه المثل أسطورة جلجامش نفسه، حين حاول البطل الرافديني القبض على سرّ الخلود بقوة بشرية لا تقوى على قفز أسوار الأبدية. كل منهما صورة للإنسان الذي يواجه ما يفوقه، فيرى نفسه صغيرًا مهما عظمت شجاعته.
ومثل هذا المعنى يتكرر في أمثال عراقية أخرى، هي بدورها امتداد لنفس الوعي القديم. فقولهم: يسوّي روحه سبع وهو أرنب يذكّر بالمحاربين الذين تصفهم النصوص الأكادية بأنهم يرفعون أصواتهم في المعركة أكثر مما يرفعون سيوفهم. ومثل گطيع المَي يضرب وما يجرح يستعيد النظرة الرافدينية للماء: موجود في كل مكان، لكنه لا يُحدث أثرًا في لحظة الصدام. أما إيده ما تطول ويگول آخذ القمر، فهو صورة صافية لروح الطموح المستحيل التي واجهت جلجامش حين حاول إمساك ما ليس للبشر.
هذه الأمثال، وإن بدت فكاهية أو خفيفة، تحمل في داخلها اعترافًا عميقًا بهشاشة الإنسان. فالعراقي، سواء كان ابن سومر أو ابن الريف أو ابن المدينة، لا يخفي خوفه، بل يحوّله إلى حكمة وإلى نكتة في آن واحد. وهذا سرّ بقاء المثل؛ إنه يعيد إنتاج علاقة الإنسان بالظلام والأخطار والقوى المتعالية التي تحيط به، لكنه في كل مرة يعيد صياغتها بما يناسب الزمن الجديد.
ومع دخول العراقيين عالم المدن، لم يتغير جوهر المثل بل تغيرت رموزه. فالطنطل المعاصر لم يعد يسكن البساتين أو الخرائب، بل قد يسكن دهاليز السياسة، أو كابرينات الوظائف، أو الأزمات الاقتصادية. والحديدة لم تعد قطعة حديد في يد طفل، بل صارت استعارة للخطط المرتجلة، والقرارات الضعيفة، والأدوات الناقصة التي توضع في مواجهة مشكلات بحجم دولة. لذلك حين يقول موظف عن مسؤول يتخذ قرارات هشة: هاي قراراته حِديدة عن الطنطل، فإنه يكرر دون أن يشعر علاقة الإنسان الرافديني بالقوة التي تتجاوزه.
ولعلّ أجمل ما في هذه الأمثال أنها لا تسعى للإساءة، بل للتنبيه. إنها تقول للإنسان: اعرف حجمك، واعرف حجم الطريق الذي أمامك. وفي هذا المعنى تستعيد دور الأسطورة القديمة؛ فالميثولوجيا الرافدينية لم تكن للترهيب فقط، بل لتعليم الإنسان كيف ينظر إلى نفسه وإلى العالم. تمامًا كما كان العراقي القديم يضع تميمة صغيرة قرب الباب، لا لأنها قادرة على صدّ الشر، بل لأنها تذكّره بأنه فعل ما يستطيع، وأن الباقي للأقدار.
وهكذا يظهر أن الأمثال العراقية ليست لغة يومية منعزلة، بل امتداد حضارة كاملة. إنها تتحدّث بلسان الريف، لكنها تسحب جذورها من أعماق سومر وبابل وأكد؛ تمرّ على نهر الفرات، تنام تحت ظل النخيل، ثم تصل إلى مجالس اليوم محمّلة برائحة أول خوف عرفته البشرية. وحين يردد العراقي حِديدة عن الطنطل، فإنه لا يصف موقفًا عابرًا، بل يستحضر تاريخًا طويلًا من مواجهة الإنسان للغامض، من جلجامش الذي تحدّى الموت إلى طفل يمشي في ليل الريف، إلى سياسي يواجه أزمة وطن بأدوات هشة.
وبهذا يصبح المثل الشعبي جسرًا بين الماضي السحيق والحاضر المضطرب، بين الأسطورة والواقع، بين ذاكرة الإنسان الأولى وحياته اليومية. وسيظل هذا الجسر قائمًا ما دام هناك طنطل يلوّح من وراء العتمة، وما دام هناك بشر يحملون في أيديهم حديدة صغيرة يتوهمون أنها تكفي. فالأمثال ستبقى تعيد الحكاية ذاتها: حكاية الإنسان الذي يخاف، ويتعلّم، ويسخر، ثم يصوغ من ضعفه حكمة تبقى أطول منه.
إطالة الجمجمة لدى شعب المانغبيتو في الكونغو
بقلم الكاتب : ياسين فؤاد الشريفي
تميّز شعب المانغبيتو الذي عاش في شمال شرق جمهورية الكونغو الديمقراطية بمظهر فريد، أبرز سماته الرؤوس المطوّلة التي كانت تُعد علامة على الجمال والهيبة الاجتماعية. وقد نتج هذا الشكل عن تقليد قديم عُرف باسم «ليبومبو» (Lipombo)، حيث كانت رؤوس الأطفال تُلفّ بشرائط من القماش بإحكام منذ الأسابيع الأولى بعد... المزيد
المزيد من المقالات الإجتماعية

المزيد من المقالات الثقافية

يا حجة رب السماء جعلك خليفة * في الأرض حتى يوم القضاء يا حجة سيقف أعداؤك * حيارى في... المزيد
على ناصية الشارع، وقف معلم الرياضيات (حسن) يرتدي بنطاله الرمادي، وجاكيته ذو... المزيد
جاء في موقع الحرة عن لغة الضاد انتشار عالمي ومحدودية على الإنترنت: يبلغ عدد... المزيد
في يومٍ من الأيّام، كنتُ أسيرُ في أحدِ الأسواق، والسوقُ يومئذٍ موجٌ من الأصوات،... المزيد
يا حجة ظهورك هو اليوم * الموعود في قرآن الكرماء يا حجة ولدت في أرض * تحيطها الأعداء... المزيد
لم يكن ميلاد الشعر الحر في العراق حدثًا عابرًا في تاريخ الشعر العربي الحديث، بل... المزيد
جاء في موقع اجابة: تكرار بعض الآيات في القرآن يأتي لأسباب عديدة، بعضها: 1- التأكيد والتوضيح:...
لمّا أرخى الليلُ ستوره، وجلس وحده حيث لا شاهد إلا الصمت، أدرك أن الكلمات التي طالما ادّخرها...
عن كتاب أسرار التكرار في القرآن للمؤلف محمود بن حمزة بن نصر الكرماني: سورة يونس: 191 - قوله ويوم...
قراءة في المجموعة القصصية (دم على ورق | قصص شهداء على طريق القدس) للقاصة أم كلثوم السبلاني...


منذ يومين
2026/03/08
الكاتب/ اسعد الدلفي تستمر الأندية العراقية في التذبذب الفني على الساحة القارية,...
منذ يومين
2026/03/08
هي إحدى الظواهر الطبيعية النادرة والفريدة في العالم، وتتميز بأنها مناطق صحراوية...
منذ يومين
2026/03/08
منذ أن حلم الإنسان بالسفر خارج الأرض، كانت فكرة حماية الجسد من ظروف الفضاء...
 شعار المرجع الالكتروني للمعلوماتية




البريد الألكتروني :
info@almerja.com
الدعم الفني :
9647733339172+