Logo

بمختلف الألوان
كلُّ فردٍ مِنّا لَهُ عَلاقاتٌ كثيرةٌ ومتنوِّعَةٌ معَ النّاسِ، ومِنَ الطَّبيعِيِّ أنَّ حقيقةَ هذهِ العَلاقةِ تختلِفُ بلِحاظِ مُستوى دَرَجَةِ القَرابَةِ والمعرِفَةِ، فَهُناكَ مَنْ تكونُ عَلاقَتُنا بهِم عميقةً ومُهِمّةً بالنّسبَةِ لَنا، وهُناكَ مَنْ تكونُ عَلاقَتُنا بِهم سطحيّةً أو عابِرَةً لا... المزيد
أخر المواضيع


مرحبا بكَ زائرنا العزيز
نتمنى أن تكون في تمام الصحة والعافية

تحذير! هل انت متأكد من حذف هذا المقال مع الردود عليه ؟
الآثار الوضعية للذنوب... عقوق الوالدين والخروج من توفيق الطاعة (56)

منذ 1 شهر
في 2026/04/06م
عدد المشاهدات :481

حسن الهاشمي
يُروى أن شابا كان في بداية أمره مستقيما على الطاعة، محافظا على صلاته، معروفا بين الناس بحُسن خلقه، وكانت له أمٌّ كبيرة في السن، تحتاج إلى رعايته وخدمته، لكن مع مرور الزمن، بدأ ينشغل بأصحاب السوء، ويضيق صدره بخدمة أمه، حتى صار يتأفف من طلباتها، ويرفع صوته عليها، بل ويتأخر عن قضاء حوائجها.
وذات يوم طلبت منه أمّه حاجة يسيرة، فغضب وقال لها كلمات قاسية جرحت قلبها، فرفعت يديها إلى السماء وقالت: "اللهم لا توفّقه حتى يعرف قدري". لم تمضِ أيام حتى تغيّر حاله؛ فترك الصلاة شيئا فشيئا، وانجرف نحو المعاصي، وخسر عمله، وتفرّق عنه أصحابه.
مرّت السنوات وهو في ضيقٍ وتعبٍ نفسي، لا يجد لذّة في شيء، حتى رقّ قلبه يوما حين رأى رجلاً يُقبّل يد أمّه، فتذكّر حاله، وعاد مسرعا إلى بيته، فوجد أمّه مريضة ضعيفة، ارتمى عند قدميها باكيا يطلب العفو، ويقول: "يا أمّاه، ظلمتُك، سامحيني". فبكت وقالت: "غفر الله لك يا ولدي، وردّك إليه ردا جميلا" ومنذ تلك اللحظة، تغيّر حاله، فعاد إلى صلاته، وانفتحت له أبواب الرزق، وشعر براحة لم يعرفها منذ زمن.
أن العقوق لا يحرم الإنسان من بركة الدنيا فقط، بل قد يكون سببا في انقطاعه عن طاعة الله، بينما يكون برّ الوالدين طريقا للعودة والهداية والتوفيق، ولكي لا ننزلق في متاهات معصية الله ينبغي ان نضع نصب اعيننا العقوبات التي تنتظر العاق في الدنيا قبل الآخرة، منها تعقيب القلة والتردي الى الذلة والخروج من توفيق الطاعة وحبط الأعمال الحسنة، عن الإمام الهادي (عليه السلام):(العقوق يُعقِّب القِلة، ويؤدي إلى الذِّلة)بحار الأنوار - العلامة المجلسي - ج ٧١ - ص ٨٤. "يعقب القلة" أي أن عقوق الوالدين يكون سببا في قلة الخير والبركة في حياة الإنسان، سواء في المال أو الرزق أو التوفيق، فالعاق قد يملك شيئا في الظاهر، لكنه يُحرم من بركته ونمائه، "ويؤدي إلى الذِّلة" أي أن العقوق يجرّ الإنسان إلى الهوان والانكسار، فيفقد عزّته بين الناس، ويعيش حالة من الضيق النفسي أو الاجتماعي، لأن من خالف أمر الله في أعظم الحقوق (حق الوالدين) يُسلَب التوفيق والعزّة.
العقوق ليس مجرد ذنب عابر، بل هو سبب لزوال البركة، وضيق العيش، وفقدان الكرامة، في الدنيا قبل الآخرة، وفي المقابل، فإن برّ الوالدين سبب للغنى المعنوي والمادي، والعزّة والتوفيق، عن الإمام الرضا (عليه السلام):(حرَّم الله عقوق الوالدين لما فيه من الخروج من التوفيق لطاعة الله عز وجل) علل الشرائع - الشيخ الصدوق - ج ٢ - ص ٤٧٩. أي أن الله تعالى لم يُحرِّم عقوق الوالدين لمجرد كونه إساءة اجتماعية، بل لأنه يقطع عن الإنسان أهم نعمة وهي التوفيق الإلهي، فالعاقّ يُحرَم من الإعانة الربانية التي تُيسِّر له الطاعة وتُحبِّب إليه الخير، فمن يعقّ والديه يبتعد عن روح الطاعة، لأن قلبه يَقسو ويضعف فيه الإيمان، ويُحرَم من التوفيق لأداء العبادات بإخلاص وخشوع، وتتعسّر عليه سبل الخير، حتى وإن حاول، بسبب سلب العناية الإلهية، فأن برّ الوالدين ليس مجرد عمل صالح، بل هو مفتاح للتوفيق، كما أن العقوق ليس مجرد معصية، بل هو سبب لانسداد أبواب الطاعة، ومن أراد أن يُفتح له طريق القرب من الله، فليبدأ ببرّ والديه، ومن استهان بهما أُغلقت دونه أبواب كثيرة من الخير.
إنّ عقوق الوالدين من أعظم الذنوب التي شدّد الشارع المقدّس على تحريمها، لما يترتّب عليها من آثار خطيرة تمسّ حياة الإنسان الدينية والدنيوية على حدّ سواء، فالعقوق ليس مجرد مخالفة أخلاقية أو سلوك اجتماعي مذموم، بل هو انحراف عميق يفضي إلى سلب التوفيق الإلهي، إذ إنّ من يسيء إلى والديه يخرج عن دائرة العناية الربانية التي تُعينه على الطاعة وتقوده إلى سبل الخير.
ومن هنا، فإنّ العقوق يُعقِّب القلّة في الرزق والبركة، ويؤدي إلى الذلّة والانكسار، لأنّ من فقد رضا الله تعالى فقد أسباب العزّة والرفعة، وفي المقابل، فإنّ برّ الوالدين يُعدّ من أهم مفاتيح التوفيق، ومظهراً من مظاهر الامتثال الحقيقي لأوامر الله عزّ وجل، حيث يورث في النفس صفاءً، وفي الحياة بركةً، وفي السلوك استقامةً، وعليه، فإنّ العلاقة بالوالدين ليست قضية جزئية في منظومة الأخلاق الإسلامية، بل هي ركن أساس في بناء شخصية الإنسان المؤمن، ومدخلٌ رئيسي لنيل رضا الله تعالى والتوفيق لطاعته.
واعظم منه ما ورد عن النبي (صلى الله عليه وآله):(يُقال للعاق: اعمل ما شئت فإني لا أغفر لك)بحار الأنوار - العلامة المجلسي - ج ٧١ - ص ٨٠. ليس المقصود بها أن باب التوبة مُغلق مطلقا، لأن رحمة الله تعالى واسعة، وقد أكّد القرآن الكريم أن الله يغفر الذنوب جميعا لمن تاب توبة صادقة، ولكن المراد هو التشديد والوعيد، أي أن العاقّ يُعرّض نفسه لحرمان شديد من المغفرة ما دام مُصرّا على عقوقه، وغير نادم عليه، ولا ساعٍ في إصلاح ما أفسد.
العقوق من الذنوب التي تتعلّق بحقوق العباد، فلا يكفي فيها الاستغفار فقط، بل لابدّ من إرضاء الوالدين أو طلب العفو منهما، والإصرار على العقوق يجعل القلب قاسيا، ويُبعد الإنسان عن التوبة الحقيقية، فيكون كمن سدّ على نفسه باب المغفرة، وعدم المغفرة تهدف إلى ردع الإنسان عن هذا الذنب العظيم، لا إلى اليأس من رحمة الله، وان العاقّ إذا تمادى في عقوقه، ولم يرجع ويتُب ويُصلح، فإنه يُحرم من المغفرة، وكأنّه يُقال له هذا القول تهديدا وتحذيرا، أما إذا تاب توبة صادقة، وردّ الحقوق، فإن رحمة الله لا تُغلق دونه.
إنّ من أخطر ما يبتلى به الإنسان في هذه الحياة هو عقوق الوالدين، ذلك الذنب الذي لا يقف عند حدّ الإساءة الخُلُقية، بل يتجاوزها ليكون سببا في حرمان الإنسان من التوفيق الإلهي، وانقطاع مدد الرحمة عنه، فقد حرَّم الله تعالى العقوق لما فيه من الخروج عن طاعته، لأنّ من لم يعرف حقّ والديه، كيف يُرجى منه أن يعرف حقّ ربّه؟
إنّ العقوق يُعقِّب القلّة، فلا بركة في مالٍ ولا في عمر، ويؤدي إلى الذلّة، فيُسلب الإنسان عزّته وهيبته، لأنّ العزّة من الله، ومن خالف أمره في أعظم الحقوق، سُلِب هذه النعمة، يعيش العاقّ ضيقا في صدره، وتعسّرا في أموره، وإن ظنّ أنّه في سعةٍ من العيش.
وقد ورد في مقام التحذير والتشديد: "يُقال للعاق: اعمل ما شئت فإني لا أغفر لك"، وليس ذلك إغلاقا لباب الرحمة، بل هو إنذار شديد لمن تمادى وأصرّ، ولم يُراجع نفسه، ولم يسعَ إلى إصلاح ما أفسد، فإنّ حقوق الوالدين لا تُجبر بكلمة، ولا تُمحى باستغفارٍ مجرّد، بل تحتاج إلى توبة صادقة، وإرضاءٍ حقيقي، وخضوعٍ واعتذار.
فيا من قصّر في حقّ والديه اعلم ان باب التوبة مفتوح، ولكن قبل أن يُغلق عليك باب التوفيق، سارع إلى البرّ، واطلب الرضا، واغتنم وجودهما إن كانا حيّين، أو أكثر من الدعاء لهما إن كانا قد رحلا، فإنّ برّ الوالدين مفتاح كلّ خير، وسببٌ لكلّ توفيق.

اعضاء معجبون بهذا

كل معروف صدقة
بقلم الكاتب : حسن الهاشمي
حسن الهاشمي ليس المقصود بالصدقة فقط المال، بل ان الكلمة الطيبة، مساعدة الآخرين، الابتسامة في وجه الناس، إزالة الأذى من الطريق، الإحسان إلى الجار، نصح الآخرين بلطف، كل هذه الأمور وما على شاكلتها تعد من أفعال الخير التي يقوم بها الإنسان وانها من مصاديق الصدقة. الإسلام يوسّع مفهوم الصدقة ليشمل كل عمل... المزيد
المزيد من المقالات الإجتماعية

المزيد من المقالات الثقافية

انتفض سلام كمن لُدغ بعقرب، يسبق دقات الساعة التي توبخه، والذعر يأكله خشية التأخر... المزيد
ليست كل مسافةٍ جفاء ولا كل صمتٍ ضعف فبعض الابتعاد نجاة وبعض الصمت حكمة وبعض الرحيل... المزيد
منذ أن أشرقت شمس هذا الصباح الغائم، والقلق ينهش في صدري كعقربٍ ضلّ طريقه؛ فالجيوب... المزيد
في تلك الليلة التي يغتسل فيها الزمن بنور الرجاء، وتتنفّس فيها الأرواح هواءً غير... المزيد
كان الليل ساكنًا، والمكان يعبق بالهدوء. قنديلٌ متأرجحٌ يضيء ببطء، يتيح للنسيم... المزيد
منذ انطلق تاريخ الأدب العراقي وهو يقف كحارس أمين على شموخ الرافدين، يغرف من بحر... المزيد
آهٍ لو سكت الأحمق ما صارت (شوشرةٌ) لا جَمْعُ الناس تفرق ما كنتٌ لأقبعَ في سجنٍ أو أركب...
يا حجة رب السماء جعلك خليفة * في الأرض حتى يوم القضاء يا حجة سيقف أعداؤك * حيارى في يوم...
على ناصية الشارع، وقف معلم الرياضيات (حسن) يرتدي بنطاله الرمادي، وجاكيته ذو الخطوط الناعمة...
جاء في موقع الحرة عن لغة الضاد انتشار عالمي ومحدودية على الإنترنت: يبلغ عدد الناطقين بها نحو...


منذ 3 ايام
2026/05/12
يعد فيروس هانتا (Hantavirus) مجموعة من الفيروسات التي تنتقل أساساً من القوارض إلى...
منذ 3 ايام
2026/05/12
يُعدّ التعداد السكاني من أهم الأدوات التي تعتمد عليها الدراسات الجغرافية...
منذ 3 ايام
2026/05/12
يشهد الطب الجزيئي في السنوات الأخيرة تطورًا هائلًا في فهم الآليات الكيميائية...